لندن – «القدس العربي»: قضى عشاق ريال مدريد ليلة حالكة السواد، بعد الإعلان الرسمي عن نهاية رحلة الأسطورة سيرخيو راموس مع النادي، والتي امتدت لنحو عقد ونصف العقد من الزمن، خلد خلالها اسمه بأحرف من ذهب في تاريخ الميرينغي، باعتباره القائد والمُلهم لجيل «لاديسيما» الذهبي، الذي أعاد إلى الأذهان زمن بوشكاش وألفريدو دي ستيفانو الجميل، بالهيمنة على البطولة المفضلة للكيان وجماهيره وري أبطال أوروبا 4 مرات بين عامي 2014 و2018، كما فعل الأجداد في النصف الثاني من الخمسينات، بالاستحواذ على أول 5 نسخ للمسابقة.
ما أشبه اليوم بالبارحة
كان هذا العنوان الفرعي، لسان حال النقاد ومتابعين كرة القدم بوجه عام، بعد الوصول للحظة الحقيقة بين راموس ورئيس النادي فلورنتينو بيريز، ورغم أنها لم تكن مفاجئة للرأي العام الأبيض، الذي كان يعرف أدق تفاصيل ما كان يدور خلف الكواليس في المعركة التفاوضية بين الشقيق رينيه راموس ومسؤولي الريال، بفضل تسريبات المحيط الإعلامي القريب من النادي، إلا أن ردود أفعال المشجعين على الخبر الرسمي عبر «السوشيال ميديا»، كشفت حالة من الصدمة والاحتقان، حزنا على فقدان القائد الأسطوري من جانب، واعتراضا على سياسة القرش الأبيض من جانب آخر. تلك السياسة المقتبسة من مقولة نجيب محفوظ الخالدة «طالما تمتعنا بحب من نحب، لكن لا يخلد من الحب إلا الخيبة»، والمعروفة إعلاميا بـ»إهانة ريال مدريد لأساطيره»، على غرار ما حدث مع أعظيم هدافين اثنين في تاريخ النادي راؤول غونزاليز وكريستيانو رونالدو، والأكثر قسوة مشهد طرد حامي العرين إيكر كاسياس، رغما عنه في صيف 2015، في مشهد لن ينساه كل من شاهد دموع القديس في لحظات الوداع على منصة قاعة مؤتمرات «فالديبيباس»، قبل أن يكرر التاريخ نفسه ظهيرة الخميس الماضي، في مؤتمر وداع زميلهم الأندلسي، الذي أجهش بالبكاء بشكل لا إرادي، وهو يوجه رسالة الشكر الأخيرة للنادي وجماهيره، دليلا على صحة ما كان يتردد في بداية الأسبوع الماضي، أن رغبته الأولى هي البقاء وتمديد العقد حتى موعد الاعتزال.
أسباب الطرد
يبدو ظاهريا، أن الانفصال حدث لاختلاف الطرفين على البنود الشخصية في العقد الجديد، أو بالأحرى على الراتب السنوي ومكافآت الفوز، لكن بطبيعة الحال، هناك أسباب أخرى ساهمت بشكل أو بآخر في طرد القائد، منها التقاليد المقدسة في «سانتياغو بيرنابيو»، بإعطاء الأولوية للنادي ومستقبله على حساب اللاعبين، حتى لو كان اسمه سيرخيو راموس أو كريستيانو رونالدو. ومعروف لدى الجميع أن قائد المنتخب الإسباني السابق، عانى الأمرين مع لعنة الإصابات هذا الموسم بوجه عام ومنذ بداية 2021 بالأخص، لدرجة أنه غاب عن 27 مباراة مستحقة في الشهور الستة الأخيرة، تأثرا بسلسلة الانتكاسات المتلاحقة، التي جعلته يبدو مثل المقاتل الذي جار عليه الزمن، لدرجة الاستسلام وعدم القدرة على مواجهة الإصابات، عكس المكتوب في وشم واضح على ظهره «إذا لم أقاتل من أجل ريال مدريد لا أستحق الحياة»، ويبدو أن فلورينتينو لاحظ أن صديقه القائد، بدأت تظهر عليه أعراض الشيخوخة الكروية، وهذا ما جعله يُصر على التمديد لمدة عام، خوفا من تكرار نفس السيناريو وربما أسوأ الموسمين المقبلين، إلى جانب الحرص على سياسة الحفاظ على الحد الأقصى والأدنى للأجور، كواحد من أكثر الأسباب التي عجلت بالانفصال التاريخي، إذ يقال إن صاحب الـ36 عاما كان يرغب في الحصول على مكافأة نهاية خدمة، على الأقل بمنحه نفس راتبه قبل كارثة كورونا، في المقابل أصر الرئيس على اقتطاع 10% من راتبه، ليضرب عصفورين بحجر واحد، الأول بالحفاظ على التقاليد واللوائح داخل النادي، والثاني لأسباب اقتصادية بحتة، ترتكز على فكرة تقليل فاتورة الأجور وإلزام اللاعبين أخلاقيا على التنازل عن نسبة من رواتبهم لمساعدة النادي للخروج من الضائقة المالية، أو مواجهة مصير القائد.
ضريبة الشجاعة
والبعض من أصحاب الذاكرة القوية، ربط بين مصير راموس الأخير وبين واقعة مارس/آذار 2019، التي تحولت في ما بعد إلى مادة ساخرة لتوثيق السيناريو السينمائي، الذي دار بين القائد والرئيس في غرفة خلع الملابس، في أعقاب الإذلال الكبير على يد أياكس بالأربعة في قلب «سانتياغو بيرنابيو» في إياب ثمن نهائي دوري الأبطال، وآنذاك قيل إن بيريز وبخ اللاعبين بشدة في غرفة خلع الملابس، لكن راموس لم يقف مكتوف الأيدي، ورد الصاع صاعين للرئيس، كنوع من أنواع الاعتراض على الطريقة التي تحدث بها بيريز مع عظماء العاشرة، باستثناء كريستيانو رونالدو، الذي قفز من السفينة قبل بداية الموسم. ورغم ما تردد في وقت لاحق، أن الأزمة تم احتواؤها، لكن كانت هناك فئة تعرف وتراهن على أنها ستكون القاضية أو القشة التي ستقصم ظهر النجم الكبير، من منطلق أن المهندس الملياردير قد «أسرها في قلبه» ولن ينسى أبدا أن راموس أحرجه وكسر هيبته أمام اللاعبين والمدرب السابق سانتياغو سولاري، لكنه فَضل مصلحة الفريق، إلى أن يحين الوقت المثالي لرد الصفعة، وهي نفس الفئة التي ترى أن القائد دفع ثمن شجاعته ودفاعه عن زملائه، بتلك الطريقة الجافة في ملف تمديد عقده، التي انتهت بطرد ناعم أمام العدسات. وبصرف النظر عن سبب الوصول لهذه النهاية، سيبقى اسم راموس علامة فارقة في تاريخ ريال مدريد، لما قدمه للنادي منذ قدومه من إشبيلية عام 2005، وتأثيره الكبير في مباريات لا تمحى من الذاكرة، لعل أبرزها هدف الإنقاذ في شباك أتلتيكو مدريد في نهائي لشبونة 2014، من أصل 101 هدف و40 تمريرة حاسمة في 671 مباراة في مختلف المسابقات، بخلاف ألقابه الـ22 الجماعية.
وجهات محتملة
على النقيض مما كان يتردد عن ضعف العروض المقدمة للنجم الإسباني، بدأت الصحف في إنكلترا وفرنسا وإيطاليا، تضع اسمه في جملة مفيدة مع أكثر من ناد هناك، ويأتي في مقدمة الطامعين في هدية الملكي المجانية، حامل لقب البريميرليغ ووصيف دوري أبطال أوروبا مانشستر سيتي، بناء على أنباء تُفيد بأن بيب غوارديولا يرغب في ضمه، للاستفادة من خبراته التي لا تقدر بثمن، خصوصا في دوري أبطال أوروبا، حيث سيساعد اللاعبين في التخلص من صداع رهبة اللعب في ذات الأذنين، بسبب ما يصفه الفيلسوف دوما «ضعف شخصية» المان سيتي وقلة خبراته القارية، لأسباب تتعلق بحداثة عهده بهذه المسابقة، وأيضا يحتاجه لتعزيز الصلابة الدفاعية برفقة نجم المستقبل روبن دياش وجون ستونز، تحسبا لرحيل إيميريك لابورت، المحتمل خروجه هذا الصيف، اعتراضا على كثرة جلوسه على مقاعد البدلاء. ونفس الأمر ينطبق على الغريم الشمالي مانشستر يونايتد، هو الآخر من أبرز الوجهات المحتملة للنجم الإسباني، وذلك منذ زمن بعيد، عندما حاولت إدارة اليونايتد استغلال مشاكل راموس مع النادي في النصف الثاني من العقد المنقضي، لكن في الأخير لم تسر الأمور كما كان يخطط لها إد ودوورد، لكن الآن، يريده أولي غونار سولشاير إنهاء معاناته مع تفاوت الخبرة والجودة بين أغلى مدافع في العالم هاري ماغواير وبين الثنائي فيكتور ليندلوف وإيريك بايلي، غير أن وجوده سيعطي الفريق إضافة هائلة على مستوى الخبرة والحماس والغيرة داخل المستطيل الأخضر، وهي أمور يحتاجها سولشاير للتخلص من نحسه مع الألقاب الجماعية.
وتشمل قائمة الراغبين في ضم سيرخيو راموس بموجب قانون بوسمان، بطل دوري أبطال أوروبا تشلسي، لكنه يبقى الخيار الأضعف والأقل احتمالا، لكثرة الأسماء المتاحة في دفاع البلوز من نوعية أنطونيو روديغر وتياغو سيلفا وسيزار أثبيليكويتا وغيرها من الاختيارات، فيما يبقى الاحتمال الأغرب، ما أشارت إليه الصحف الإيطالية، بخصوص تواصل جوزيه مورينيو معه، لإقناعه بفكرة لم الشمل بألوان روما، لتكون صفحة جديدة بعد توتر العلاقة بينهما في السنوات القليلة الماضية. أما العرض الأفضل والأكثر منطقية، هو الذهاب إلى باريس سان جيرمان، منها سيحظى بمعاملة الملوك في «حديقة الأمراء»، ومنها لن يعاني من منافسة مدافعين نجوم لا يقبلون بالجلوس على مقاعد البدلاء، في ظل حاجة ماوريسيو بوتشيتينو الماسة، لخدمات مدافع بنفس خبرة وكفاءة راموس، ليعوض الفراغ الذي تركه تياغو سيلفا منذ انتهاء عقده الصيف الماضي، ومنها أيضا سيجد ما يبحث عنه ويشغل باله دوما في الريال، وهو الطموح والتخطيط السليم للفوز بدوري أبطال أوروبا، ما يجعل النادي الباريسي الخيار الأكثر توافقا مع عقلية قائد الريال السابق وأهدافه في محطته الأخيرة في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم، ولو أن هذا لا يقلل من فرص ناديه السابق إشبيلية، الذي عرض عليه التجديد لمدة 5 سنوات، إلا إذا فاجأ الجميع بالتوجه إلى أمريكا أو الصين بعد انفصاله عن الميرينغي، والآن جاء دورك عزيزي القارئ لتخبرنا عن توقعك لوجهة راموس المحتملة.