أعرف الكثير من الناس، وخاصة المسيسين منهم، الذين كانوا يشجعون فرق كرة القدم على أساس ماركسي لا رياضي، فهم غالباً ما كانوا يصفقون للفرق المستضعفة، على اعتبار أنها مثلهم تنتمي إلى البروليتاريا، وظللت أنا شخصياً أشجع “الحصان الأسود” في ما بعد، خاصة أنني أنظر إلى كل صراع، بما فيه المسابقات الرياضية من منظور طبقي. وللمفارقة الكبرى، أنني، حتى عندما يكون الفريق الرياضي منتمياً إلى بلد غربي قوي، لكنه ضعيف في مواجهة الفرق الأخرى، كنت أشجعه طبقياً، على اعتبار أنه كما يقولون في الإنكليزية (الكلب المستضعف) أو بالأحرى البروليتاري من حيث القوة في مواجهة الفرق المستكبرة. لهذا السبب أتذكر أنني كنت دائماً أتضامن مع الفريق الأمريكي وأشجعه بحرارة رغم أنه “امبريالي” فقط لأنه فريق من الطبقة المسحوقة رياضياً. والسؤال الذي يدور في أذهان الكثيرين اليوم مع اقتراب مباريات كأس العالم في دولة قطر: لماذا تتصدر أمريكا قيادة العالم في السياسة والاقتصاد والسلاح والإعلام والثقافة، لكنها تبقى قزماً في مجال كرة القدم يدعو الكثيرين للتعاطف مع فريقها المسكين في المباريات العالمية كما فعلت أنا؟
تتنوع الحجج التي تبرر ضعف لعبة كرة القدم في بلاد العم سام، وأولها طبعاً أن لدى أمريكا لعبة خاصة بها وتحظى بشعبية عارمة داخل الولايات الأمريكية، ألا وهي “البيسبول”، كما أن لكرة السلة في أمريكا شعبية كبرى أيضاً تغطي على لعبة كرة القدم وتجعل منها لعبة ثانوية في نظر الأمريكيين. ورغم أن الدوري الأمريكي استقطب يوماً بعض الأسماء الرنانة في عالم الكرة، مثل اللاعب الإنكليزي ديفيد بيكهام والسويدي زلاتان إبراهيموفيتش، لكن لا تزال كرة القدم لا تحظى بشعبية كبيرة في أمريكا. ويرى البعض أن الأمريكيين مهووسون دائماً بالأرقام الكبيرة، حيث يسجل أقل فريق في كرة السلة سبعاً وتسعين نقطة، بينما في كرة القدم لا يتجاوز عدد الأهداف واحداً أو اثنين وفي أحسن الحالات من ثلاثة إلى خمسة، ويتساءل بعضهم: هل يعقل أن نخسر ساعتين من وقتنا كي نشاهد مباراة لا يسجل فيها اللاعبون سوى هدفين أو أقل؟
وحسب موقع “سبورت 360” يبرر بعض الأمريكيين عدم شغفهم بكرة القدم بأنها لعبة تفتقر إلى العدالة، فهم يقولون إن كرة القدم هو المكان الذي يموت فيه العدل، ولو نظرنا لبعض الأمثلة فسنجد أنها قد تكون فعلاً معطلة لعنصر العدالة وجمالية الإنصاف. ويرى الأمريكان أن نتيجة أي مباراة في كرة القدم قد لا تعكس الوجه الحقيقي لمجريات تلك المباراة، فبهدف واحد قد يقضي أي فريق عادي على آمال الفريق المجتهد الذي يسيطر على مجريات اللعبة.
وقد يكون للحكم تأثير كبير في نتيجة المباراة، فقد تفوته حالة تسلل أو يقوم باحتساب ركلة جزاء خاطئة فيقلب نتيجة مباراة كاملة، وربما بطولة. ويتحدث الأمريكان عن رقم مهم هنا، وهو أن نسبة كبيرة من مجمل أهداف بطولات كأس العالم أتت من ركلات جزاء، أي أن ركلة جزاء تحسم نتيجة أو تأهل، وهذا ليس عدلاً.
وفي المباريات الإقصائية لا يفوز الأفضل دائماً، فقد يكون أحد الفريقين الأفضل طوال مجريات المباراة مقابل فريق آخر مدافع يحاول الوصول إلى ركلات الترجيح، وبالفعل قد يصل إلى مبتغاه وهو يملك القدرة الفنية الكبيرة في تنفيذ ركلات الترجيح ليفوز الفريق المدافع والذي لا يستحقها، ويخرج الفريق المجتهد ويذهب طي النسيان في صفحات التاريخ، وهذا أيضاً ظلم كبير.
لهذا يجب أن تدخل تقنية إعادة مشاهدة الفيديو (فار) في حسابات الحكم للتأكيد على صحة حتى ركلات الجزاء، ويجب أن تكون هنالك درجات في احتساب ركلة الجزاء خلال المباراة، فليس كل لمسة يد تعني ركلة جزاء، وليس كل عرقلة تمثل ركلة جزاء. وهنا نستذكر هدف مارادونا الشهير المثير للجدل في شباك إنكلترا عام 1986، هل كان ليحسب مثلاً لو كانت هناك تقنية “فار”؟
وبناء على ذلك يقترح الأمريكان إلغاء الركلات الترجيحية من قاموس المباريات الإقصائية في كرة القدم، وأن يكون البديل أشواطٌ إضافية فقط، في كل شوط إضافي يخرج لاعب من كل فريق، ففي الشوط الإضافي الأول تصبح المباراة عشرة لعشرة، وفي الشوط الإضافي الثاني تصبح تسعة لتسعة ثم ثمانية لثمانية وهكذا، حتى يتفوق فريق على آخر باللياقة البدنية العالية.
ولدى الأمريكيين أيضاً اعتراض كبير على بطاقات العقوبة في كرة القدم، وهم يطالبون بوضع قانون ينص على خروج اللاعب لمدة خمس إلى عشر دقائق عند تلقيه البطاقة الصفراء كما في لعبة الهوكي، وذلك سيعطي إمكانية أكبر لتسجيل الأهداف ورفع مستوى الإثارة، إضافة إلى الحد من نسبة التمثيل من قبل اللاعبين خوفاً من الخروج مؤقتاً من الملعب. وفي حالة البطاقة الحمراء يجب على الحكم استخدام الإعادة التليفزيونية كما في ركلات الجزاء، وذلك يعطي مزيداً من طابع العدل المفقود.
وهناك ثلاثة أمور أساسية يعتقد الأمريكان أن تواجدها سيعطي اللعبة طعماً آخر. ألا تتوقف اللعبة عند وقوع أحد اللاعبين بسبب الإصابة (إلا إذا كانت خطيرة جداً) ويستمر اللعب بشكل طبيعي. وفي حال توقف اللعب عند الإصابة، يجب على الحكم إيقاف ساعة المباراة كما في الألعاب الأخرى، وهذا يضمن عدم التلاعب بالوقت الإضافي أو عدم ضياع الوقت على الفريق الذي يستحقه. وإذا اضطر اللاعب أن يخرج على النقالة، فيجب ألا يعود للملعب ثانيةً، ويتم استبداله، وهذا هو العدل.
هل تصدقون أن هذه التبريرات الأمريكية هي فعلاً وراء تخلف كرة القدم في أمريكا، أم إن الأمريكيين قد فشلوا في دخول هذا المضمار العالمي، وهم يحاولون التستر على هزيمتهم بأعذار واهية، وأن البروليتاريا في لعبة الفقراء قد انتصرت على البرجوازية؟