الفاعل في معلولا ليس مجهولاً. كشف عن هويته بفخر بعد ان ساءه، كما جاء في بيانه، ‘ كثرة الذين قاموا بتبني العمل المبارك الذي قام به اسود جبهة النصرة، فكان لا بد من ذكر الفصائل المشاركة بالتفصيل ودورها في المعركة’.
بطل ‘العمل المبارك’، اذاً، هو ‘جبهة النصرة’. لا ذكر لـِ’الجيش السوري الحر’. لا هو ادعى المشاركة ولا ‘جبهة النصرة’ اتت على ذكره. بالعكس، بدا ان استياء الجبهة من ‘كثرة الذين قاموا بتبني العمل المبارك’ سببه تنظيمات سلفية متطرفة اخرى تتنافس معها على اعمال من هذا القبيل، لذلك، اعترفت الجبهة بأفضال ‘ألوية احفاد الرسول’ فقط ونوّهت بدورها في ‘المساعدة في توضيح جغرافية المنطقة وفي اقتحام الحاجز مع اسودها’.
لماذا هاجمت ‘جبهة النصرة’ البلدة المسيحية الايقونية، التي ما زال بعض اهاليها يتكلمون الارامية، لغة السيد المسيح الذي زارها ‘ومن هنا انطلقت المسيحية الى العالم’، كما تقول المسؤولة عن دير القديسـة تقلا الام بلاجا صياف؟
ليس دافع المهاجمين ‘الجهاديين’ النيل من المسيحية بقدر النيل من المسيحيين. صحيح ان ‘الجهاديين’ اعلنوا، بعد نسف حاجز الجيش السوري النظامي بجنوده الثمانية، ‘بدء معركة فتح عاصمة الصليبيين’، وانهم دعوا بمكبرات الصوت العائلات المسيحية المقيمة في البلدة الى ‘الدخول في الإسلام’، إلاّ ان الدافع الاساس لفعلتهم كان، على ما يبدو، تهجير المسيحيين. لماذا؟ والى اين؟
يدّعي ‘الجهاديون’ المتطرفون ان المسيحيين في سورية يوالون النظام ويدعمونه في القتال ضد معارضيه عموماً، والإسلاميين خصوصاً. الحقيقة ان المسيحيين مسالمون بصورة عامة ولا يُظهرون كأفراد او كجماعة، حماسةً ملحوظة لأهل النظام ولا، بطبيعة الحال، للمعارضة السلفية المسلحة. اما مشاركتهم في الحرب فتتم في اطار القوانين والانظمة النافذة واهمها خدمة العلم، اي الخدمة العسكرية الإجبارية المطبقة على كل مواطن سوري بلغ الثامنة عشرة .
يبدو ان اطراف المعارضة السورية غير السلفية، كما الاطراف السياسية غير المتدينة لا تشاطر تنظيميّ ‘جبهة النصرة’ و’الدولة الإسلامية في العراق والشام’ نظرتهما وسلوكياتهما المعادية للاقليات الاثنية، الكرد وغير السنيّة، العلويين والدروز والإسماعيليين، وللمسيحيين، الارثوذكس والكاثوليك والارمن، إلاّ انها تمتنع عن إدانتهما لسببين: الاول، لمنع اهل النظام من استثمار الاخطاء والخطايا اعلامياً وسياسياً. الثاني، لتفادي الاصطدام بهما ميدانياً وعسكرياً في مناطق ومواقع الوجود المشترك، ولا سيما في شمال حلب وريف دمشق .
ادّت الحرب التي تعصف بسورية منذ 30 شهراً، بحسب تقريرٍ لمفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين، الى نزوح ستة ملايين من مواطنيها داخلها، والى تهجير اكثر من مليونين الى الدول المجاورة، ولا سيما الى لبنان حيث تجاوز عدد اللاجئين السوريين اليه 716 الفاً. ويقول مصدر في بطريركية انطاكية وسائر المشرق للمسيحيين الكاثوليك ان عدد السورين المسيحيين النازحين الى مناطق آمنة في الداخل السوري او الى الخارج يربو على نصف مليون .
فوق ذلك، يؤكد تقرير مفوضية الامم المتحدة لشؤون اللاجئين أن الهيئات الإنسانية المهتمة بإيواء اللاجئين السوريين في لبنان وإغاثتهم لم تتسلم سوى 47 في المئة من الاموال المطلوبة لتلبية الحاجات الإنسانية لهؤلاء، لغاية 27 آب/اغسطس الماضي.
هذه لمحة عن الوضع الإنساني والاجتماعي للشعب السوري عشية الضربة العسكرية المفترضة، أليس من المنتظر ان يصبح الوضع اكثر مأساوية بعد الضربة نتيجةَ تدفق مزيد من النازحين داخل سورية ومن اللاجئين الى خارجها؟
لعل في التحذير الذي اطلقه المفوض السامي للأمم المتحدة للاجئين انطونيو غوتيريس ما يستنفر اصحاب الضمائر الحية. قال غوتيريس: ‘إن سورية صارت المأساة الكبرى في عصرنا، كارثة إنسانية صادمة مع ما يواكبها من عمليات تهجير لم يشهدها التاريخ الحديث، ذلك ان معظم من يفرون لا يملكون اكثر من الملابس التي يرتدونها’ .
كذلك يمكن ان تعطي السويد والمانيا فكرة عمّا سيحدث بعد ان يحطّ غبار الضربة العسكرية المفترضة.
المجلس السويدي للهجرة قرر مطلعَ الاسبوع الماضي منح اللاجئين السوريين حق اللجوء الدائم . كان نحو 14700 لاجئ سوري قد قدموا الى السويد منذ سنة 2012 واستفاد بعضهم من حق الإقامة المؤقتة. الآن سيكون في وسعهم البقاء في السويد ما شاؤوا.
حكومة المانيا قررت ايضا استقبال خمسة الآف لاجئ سوري اضافي يعانون اوضاعاً صعبة في لبنان، وذلك بصفة مؤقتة. هؤلاء صُنّفوا ‘ذوي حاجات خاصة’ وسيخضعون لبرنامج تدريب وتوجيه قبل توزيعهم في انحاء مختلفة من المانيا. وكان 13 الف لاجئ سوري لجأوا قد الى المانيا منذ سنة 2012.
لوحظ ان القسم الاكبر من اللاجئين السوريين الذين يقصدون الدول الإسكندنافية (السويد، النرويج، الدنمارك، فنلندا) مسيحيون. وكان تردد في اوساط سياسية مؤيدة للمعارضة السورية في باريس ان ثمة سياسة لدى دول اوروبا الغربية التي تشكو من تدنٍّ في نسبة الولادة تقضي بقبول لاجئين مسيحيين من العراق وسورية بدعوى انهم اكثر قابلية من المسلمين للتأقلم والتجانس مع البيئة الاوروبية.
ترى، هل ما تفعله ‘جبهة النصرة’ يجري في سياق تزويد بعض دول اوروبا بلاجئين سوريين مسيحيين ليصبحوا لاحقاً مواطنين متجانسين؟
اذا ثبتت هذ المعلومة، فمعنى ذلك ان دولا اوروبية عدة تدرك سلفاً أن الضربة العسكرية لسورية اكيدة، وانها ستستفيد من ذيولها باستقبال ‘اصنافٍ’ معينة من اللاجئين، وتمنحهم حق الإقامة الدائمة تمهيداً لتجنيسهم وتكريسهم مواطنين.
كيف يمكن مواجهة نكبة سورية بل نكبة العرب الجديدة؟
لعل العلاج الافعل هو في تفادي وقوع الضربة العسكرية المفترضة. اللاعبون الكبار، الدوليون والاقليميون، هم الاقدر على وعي مخاطر الضربة وتداعياتها الكارثية، وهم بالتالي الاولى بإجراء ما يلزم لتفادي اللجوء اليها .
في هذا الإطار، كثّف البابا فرنسيس مساعيه لتفادي حل عسكري للأزمة السورية، فوجّه رسالة الى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعا فيها الى تحرك اعضاء مجموعة العشرين للبحث عن حل سلمي ‘يجنّب سورية مجزرة’، كما دعا العالم للصلاة من اجلها.
في واشنطن، دعا مؤتمر الاساقفة الكاثوليك الامريكيين الرئيس باراك اوباما الى ‘عدم القيام بتدخل عسكري’ في سورية، والسعي عوض ذلك الى ايجاد ‘حل سياسي للنزاع’.
اجل، في الحل السياسي خلاصٌ من المحنة التي تستهلك سورية والشعب السوري بكل اديانه وطوائفه وجماعاته السياسية والاثنية.
‘ كاتب لبناني