لماذا لا أتعاطف مع ألم المستوطنين الإسرائيليين؟

حجم الخط
0

أنا لا أتعاطف مع الذين يتاجرون بالكوارث، ولا أتعاطف مع اللصوص، ولا أتعاطف مع المستوطنين، ولا أتعاطف مع المستوطنين حتى عندما تنزل عليهم كارثة أو مصيبة. امرأة حامل أصيبت، ورضيعها مات نتيجة إصابتها، ما الفظيع أكثر من ذلك؛ السفر في شوارعهم مخيف، المقاومة العنيفة لوجودهم تتعاظم ـ وأنا لا أتعاطف مع مصيبتهم. لا رحمة ولا تماهي. الذنب في أنهم لا ينجحون في إثارة مشاعر إنسانية أساسية للتضامن والألم هو ذنبهم وليس ذنبي أنا. ليس مجرد كونهم مستوطنين ومخالفين للقانون الدولي والعدل الإنساني فحسب، وليس فقط عنف البعض منهم واستيطانهم جميعاً، وكذلك الطريقة الابتزازية التي يردون فيها على كل كارثة تمنع إمكانية مشاركتهم العزاء، فخلف ستار الورع والنفاق للوحدة الوهمية، وخلف وسائل الإعلام التي تزيف الحداد الوطني من أجل تشجيع أهدافها التجارية، يجب أن نقول الحقيقة، مصيبتهم ليست مصيبتي.
مصيبتهم ليست مصيبتي، لأنهم هم الذين أنزلوا المصيبة على أنفسهم وعلى كل الدولة. صحيح أن الذنب الأساسي ملقى على الحكومات التي خضعت لهم، إما بسرور وإما بضعف، لكن لا يمكن إعفاء المستوطنين، وكذا فإن المسؤولية تقع على الشخص المبتز، لا على الشخص الذي تم ابتزازه فقط. ولكنهم يوجدون هناك، أجيال ولدت على الأرض المسلوبة، أولاد تربوا على واقع الابرتهايد وحتى على الاعتقاد بأن الأمر يتعلق بعدل توراتي، وبدعم الحكومات. ربما لا يمكننا الاشتكاء أمامهم بسبب وجودهم على أراض سلبها آباؤهم. ولكن مصيبتهم ليست مصيبتي لأنهم يستغلون كل مصيبة لتحقيق أهدافهم بطريقة لا توجد سخرية أكثر منها.
عندما يموت طفل يضعون الكرفانات. وعندما يقتل جنود دفاعاً عنهم ـ لا يوجد طلب عفو من عائلات الجنود الذين أزهقت حياتهم بسببهم، بل طلبات تفهم فقط لجرائمهم. ومع الطلبات تأتي أيضاً شهوة الانتقام: حبس جيرانهم أكثر، هدم بيوتهم، قتل، اعتقال، إغلاق الشوارع، الانتقام وأخذ الفدية. وإن لم يكن هذا كافياً، فإن المليشيات السائبة للمستوطنين تنقض على الفلسطينيين، ترشق سياراتهم بالحجارة، وتحرق حقولهم وتنشر الذعر في قراهم. ألا تكفيهم أعمال العقاب الجماعي من الجيش والشاباك، الوحشية والإجرامية أحياناً، شهوة انتقام المستوطنين لا تعرف الشبع في أي يوم. كيف يمكن التماهي مع الذين يتصرفون هكذا ومشاركتهم العزاء؟
لا يمكن مشاركتهم العزاء لأن إسرائيل قررت غض النظر عما يحدث هناك في أرض فلسطين ـ يهودا. وعندما يكونون لامبالين إزاء إعدام شاب متخلف عقلياً من قبل الجنود، فسيكونون لامبالين أيضاً من إطلاق النار على امرأة حامل من قبل الفلسطينيين. عندما يتم تجاهل معاقبة مخيم طولكرم للاجئين، يتجاهلون أيضاً ما يحدث في مفترق جفعات اساف. عمى أخلاقي للجميع. الضفة والقطاع ليستا هنا، هذا ثمن عدم الاهتمام بما يحدث في المناطق وغض النظر عن الاحتلال، الذي يترسخ الاستيطان تحت ظله، من ميزانيات ضخمة تصب عليهم دون أي معارضة من الجمهور ـ لامبالاة أيضاً على مصير المستوطنين ومصائبهم. المستوطنون لا يمكنهم من جهة استغلال اللامبالاة لحاجاتهم.
ومن جهة أخرى التذمر من عدم الاهتمام بمصائبهم. هذا الجزء من البلاد الذي سيطروا عليه لا يهم غالبية الإسرائيليين، وكأنهم يعيشون في بلاد النفي والاضطهاد، وهذا هو الثمن.
يجب علينا عدم الاعتذار عن عدم الاهتمام والتماهي. المستوطنون هم الذين حكموا بهذا على أنفسهم. من لم يهتموا في أي يوم بمعاناة جيرانهم الفلسطينيين التي تسببوا بها، ومن يدعون دائماً إلى زيادة الضغط عليهم والتنكيل بهم بشكل أكبر، لا يستحقون التماهي معهم، حتى في وقت حزنهم. أنا لا أشمت بهم، لكني لا أتعاطف مع ألمهم. الألم الحقيقي يقع على ضحاياهم الذين يختنقون باستسلام والذين يأخذون مصيرهم بأيديهم ويحاولون معارضة الواقع الأكثر عنفاً وأحياناً بصورة قاتلة. الفلسطينيون هم الضحايا الذين يستحقون الشفقة والتماهي معهم.

جدعون ليفي
هآرتس 16/12/2018

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية