لماذا لا نحرق أنفسنا من أجل الوطن؟!

حجم الخط
0

مصير تونس كان بيد الشاب الشجاع الحي الذي حرر شعبه لاحقا، عبر تداعيات استشهاده التاريخي. ينبغي أن نراجع موضوع الانتحار في هذا الباب، على غرار ما أجاز البعض من قتل النفس للتمكن من إصابة الأعداء الصهاينة على سبيل المثال لا الحصر.

إن الإنسان لا يعيش باللقمة فحسب، خصوصا إذا تعذر بمذلة مهينة للكرامة، ومصادرة للحرية في أغلب معانيها ودلالاتها المتنوعة.

ما حدث في تونس يوم الجمعة العظيمة فعلا، عند الله وعند الناس، في يوم 14 يناير 2011، يستحق من كل الشعوب الاستيعاب والفهم والتطبيق في نفس الوقت.

وخاصة الشعوب العربية والإفريقية والإسلامية، الأشد فقرا للحرية في هذا الكون المترامي الأطراف، المفعم بالمظالم والكراهية والصراع الرهيب.

ذهب فرعون تونس وبقي البوعزيزي رمزا ودرسا للجميع، حكاما ومحكومين، فلماذا لا نلتقط الخيط بسرعة وحسم قبل فوات الأوان.

فلنحرق أنفسنا ولننزل إلى الشارع في سياق ثورة مشروعة طالما حنت إليها النفوس المظلومة والجائعة المحطمة تحت ضغط وكيد وتآمر أصحاب البنادق والنفوذ على السواء! ؟ لقد استغل عزيز وأعوانه القضاء والسلطة والمخابرات والمال العام الحرام على وجه لم يعد يمكن احتماله وصبره.

وقد وقع علي من الظلم ما لم يحصل لأي صاحب رأي في هذا البلد، ولم يجد من التنديد والرفض الجاد العملي ما يكفي، لا عند الأقارب في المهنة أو الصلة الدموية العائلية، ولا عند السياسيين الذين سكتوا بالمقارنة مع حجم ما نفذ من محاولة اغتيال في يوم الاحد 27-4-2007، وتحويل وتحريف الموضوع إلى القانون الجنائي (البلاغ الكاذب التهمة المختلقة)، إلى تهجير الموضوع إلى الفضاء الدولي المفتوح (الانتربول)، والتغريم الخيالي (300 مليون أوقية أي زهاء مليون أورو) وتجريد الملابس أمام أحد أفراد الشرطة في أبو ظبي، إلى السجن مرة أخرى بعد التسليم، إلى الحرمان، والمتابعة والمضايقة المعنوية والمادية المستمرة.

ولكل واحد من أفراد الشعب، سواء فقيرا أو غنيا قصة مؤلمة أو مظالم عدة، اكتوى بها ودفع ثمنها من قوته وحقوقه وحريته وكرامته!

في الكزرات والشوارع (المتسولين في كل مكان)، والإدارة وغير ذلك تفاصيل هذا الوضع المروع الخانق، الذي نعيشه في ظل هذا الطاغية وأعوانه من العسكر وبعض المدنيين الانتهازيين المتآمرين المتلونين، مع كل وافد متغلب إلى حين سقوطه وزوال حكمه ليركبوا الموجة الجديدة، وهكذا دواليك، دون حياء أو تردد أو خوف من العقاب ولعنات الناس والتاريخ.

حتى بات من لا يقبل سلوك طريق إهانة الكرامة، وتجسيد بيع الضمير فاقد العقل والإدراك في حسابات الكثيرين، للأسف البالغ. حكم لا صلة له بالشرعية، أقام كيانه على الانقلابات والتزوير ولا مبرر لبقائه منطقيا بعد نجاح ثورة تونس الخضراء، التي علمت الجميع درسا نوعيا، سيتفاعل تدريجيا في حياة الشعوب العربية والافريقية والمسلمة، ليصل بنا معشر العرب والمسلمين والافارقة بصورة أخص في مصاف الشعوب والدول اليقظة البانية، ولو كلف المقصد المنشود بعض الوقت أو التضحيات الجسام.

المهم أن تصل قافلة ثورة الشعوب المظلومة المكبوتة إلى ما نرجو من الخلاص من الحرمان والظلم الصارخ المتنوع المرير، أين دور النقابيين والسياسيين عندنا، هل ينتظرون مجهولا قادما من بعيد ومن خارج مسرح الأحداث، ليخلصهم من ‘عزيز’ يعرفون أنه يحتقر الجميع، ولا يؤمن بالديمقراطية، بل بمقربيه فحسب، وثكنته ومصالحه السلطوية والمادية الربحية الضيقة.

إن كان هذا مخططكم، فهو محض الجبن والفشل البين الظاهر.

ولعل الخلاص سيأتي من طرف المظلومين العاديين، من التلاميذ والعمال البسطاء، وليس من طرف أصحاب الرأي والنخب المخملية، التي ستحاول لا قدر الله-قطف ثمرة التغيير المنتظر الحتمي القريب إن شاء الله.

وقد يكون فريق المثبطين والمنافقين في كل صف وساحة مهنة أو اختصاص-إن صح مثل هذه الاطلاقات في بلدنا-هم مصدر التعويق والتأثير السلبي المؤقت على الأمل القريب الأكيد بإذن الله، لانطلاق هذه الفعاليات الشعبية والسلمية والحضارية لتجاوز نموذج الحكم الطاغوتي الاستبدادي المهيمن في ديارنا، والذي لم يكرس إلا حمى الوادي المتصدع والمجاعة والحرمان والظلم والانقلابات واستغلال الثروة العمومية لصالح فلان على حساب علان، أو فتح الادارة لمن يرضاه النظام دون سواه، رغم الاشتراك النظري في الجنسية والمواطنة.

فهل المواطن الحقيقي من يريد له الانقلابي عزيز أن يكون كذلك، وغيره يأخذ حقه بيده أو يرمى على قارعة طريق الغبن والاحتقار والتحامل والاستهداف، بمختلف صنوفه؟!

وفي مثل هذه الظروف الاستثنائية ينبغي على الجميع تحمل المسؤولية بشكل قانوني وأخلاقي وسياسي مرن، يجسد الانسجام مع أجواء التغيير المؤكد، الراجح المنتظر في قادم الأيام.

إن غزواني وأترابه في الجيش عليهم أن يبقوا خارج اللعبة، حافظين لما أمكن من الأمن الهش المغشوش.

فحماية المواطنين وممتلكاتهم ليس أمن المتســـــــلطين وأزلامــــــهم.

إن السكينة العامة، أولى من حماية كرسي الحكم غير الشرعي، وعلى وجه الاطلاق، وهو معنــــــى معروف يوقن به الجميع في قرارة نفسه.

أجل حياد الجيش وأجهزة الأمن الوطنية، عسى أن تتحول الأجواء من القتامة إلى حرية الحكم والتعبير والتنوع الحقيقي دون محاولة يائسة بائرة للحفاظ على الوضع القائم الآسن المتجاوز.

عبد الفتاح ولد اعبيدن – موريتانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية