تعريف اسرائيل كدولة يهودية معناه انها حكم ديني او دولة ابارتهايد وبالتالي فان اسرائيل ليست ديمقراطيةشلومو أفنيريموقع الانترنت لشبكة ‘الجزيرة’ بالانكليزية ينشر هذه الايام مقالا طويلا بقلم سري نسيبة. عنوانه: ‘لماذا لا يمكن لاسرائيل أن تكون دولة يهودية’. نسيبة ليس فقط رئيس جامعة القدس، بل هو ابن لاحدى العائلات الفلسطينية الاكثر عراقة، والمثقف الأبرز بين الجمهور الفلسطيني. وهو معروف أيضا باعتداله ومعارضته للارهاب، وغير مرة خاطر بذاته لتبنيه هذه المواقف. كتابه السيرة الذاتية، الذي نال الكثير من الثناء، نشرته ‘وندلفيلد آند نيكولسون’ المعروفة بعطفها على اسرائيل، وهو ضيف مرغوب فيه في دوائر الدراسات الاسرائيلية واليهودية في العديد من الجامعات في الولايات المتحدة. كما أن معرض الكتب اليهودي في لندن دعاه، قبل بضع سنوات لان يكون ضيف شرف. وعليه يوجد معنى لما لديه ليقوله عن اسرائيل كدولة يهودية. كما يشهد عنوان المقال، فان نسيبة يرفض رفضا باتا مطلب اعتبار اسرائيل دولة قومية يهودية. حتى من لا يعتقد، مثلي، بان بنيامين نتنياهو تصرف بحكمة عندما أدرج هذا المطلب في المفاوضات السياسية، لا يمكنه ألا يصاب بخيبة الامل من عمق الرفض الذي يبديه نسيبة لمجرد فكرة الدولة اليهودية. فإذا كان المعتدل بين المعتدلين، الاكاديمي الصرف والمثير للانطباع مثل نسيبة، يرفض هذه الفكرة، واضح أنها طفيفة احتمالات الحل الوسط بين الحركة الوطنية الفلسطينية والحركة الوطنية اليهودية. نسيبة يبدأ مقاله بحجة تاريخية، على حد قوله، ليس اعلان بلفور، ليست لجنة التحقيق الانجلو أمريكية من العام 1946 ولا حتى الكونغرس الصهيوني الاول في بازل تحدثوا صراحة عن دولة يهودية، هذا صحيح. ولكن سبب الصياغة الغامضة للكونغرس في بازل، التي تحدثت عن ‘وطن للشعب اليهودي’، كان الرغبة في منع المواجهة الجبهوية مع الحكم العثماني. بنيامين زئيف هرتسل وزملاؤه ارادوا الحصول من هذا الحكم على ميثاق للهجرة اليهودية الى بلاد اسرائيل والاستيطان في البلاد. ويمتنع نسيبة عن الذكر بان عنوان كتاب هرتسل كان ‘دولة اليهود’، بمعنى، الكتاب تحدث صراحة عن دولة، وأن هرتسل قرر المرة تلو الاخرى في خطابه الافتتاحي في الكونغرس بانه ‘نحن شعب’. فضلا عن ذلك، فان نسيبة يتجاهل تماما حقيقة أن قرار التقسيم للامم المتحدة، في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947، تحدث صراحة عن دولتين دولة يهودية ودولة عربية وبذلك منح شرعية دولية لحق الشعب اليهودي بالاستقلال في دولته السيادية. من هذه الناحية لا فرق بين نسيبة وكل الناطقين العرب الذين يتنكرون لمجرد وجود قرار التقسيم وما ينطوي عليه من معنى. من مثقف بمستوى نسيبة كان يمكن توقع المزيد.
نسيبة يذكر بمارتين بوبر، يهودا ماغنس ورفاقهما في ‘حلف السلام’، ممن دعوا الى اقامة دولة ثنائية القومية. وهو يخفي مرة اخرى عن القارئ تفاصيل جوهرية: الدعوة لم تحظ باستجابة من الجمهور الفلسطيني والعضو الفلسطيني الوحيد الذي انضم اليهم، فوزي الحسيني، قتله متطرفون فلسطينيون. في مركز المقال سلسلة من الحجج، بموجبها فكرة الدولة اليهودية ‘اشكالية من ناحية منطقية وأخلاقية’. أولا: يدعي نسيبة بأن لا مكان لتعريف الدولة القومية الحديثة بتعابير عرقية أو دينية. من ناحية الحقائق، هذه الحجة ليست صحيحة. دول اوروبية مثل اليونان وايرلندا تعرف صراحة بمثل هذه التعابير، ومعظم الدول العربية تُعرف نفسها دولا عربية. ويجد التعريف تعبيره أيضا بالاسم الرسمي للدولة: جمهورية مصر العربية، الجمهورية العربية السورية وما شابه. نسيبة لا يتناول ذلك. ثانيا: يدعي بان تعريف اسرائيل كدولة يهودية معناه أنها حكم ديني (اذا فهمنا مفهوم ‘يهودي’ بتعابير دينية) او دولة أبرتهايد (اذا فهمنا ذات المفهوم بتعابير عرقية). اذا كانت الحجة صحيحة، فان اسرائيل ليست ديمقراطية. ولكن لا أساس من الصحة لهذا القول. اسرائيل ترى نفسها دولة يهودية، وحتى اذا ما وضعت هذه الحقيقة الاقلية العربية في وضع غير سهل ولا يجب تجاهل ذلك فليس في ذلك ما يمنع مساواة الحقوق السياسية والمدنية. احمد الطيبي انتخب للكنيست كأحد ممثلي الاقلية العربية في برلمان دولة ليست حكما دينيا وليست دولة أبرتهايد. لو كانت كهذه أو كتلك، لما كان الطيبي في الكنيست.
ثالثا: نسيبة يشير وعن حق الى أن نحو 20 في المئة من الاسرائيليين ليسوا يهودا. ولكنه يستنتج من ذلك بان هؤلاء الاسرائيليين ‘غرباء في وطنهم’، مثابة مواطنين من الدرجة الثانية، مرشحين لنزع حقهم في المواطنة. بدون المثالية في وضع مواطني اسرائيل العرب، وبدون تجاهل مؤشرات العنصرية والمرفوضة لدى أحزاب في اسرائيل، ولا سيما في اسرائيل بيتنا، فلا تضارب مبدئيا بين كون اسرائيل دولة القومية اليهودية وكون ابناء الاقلية العربية مواطنين متساوين. نسيبة أسير مفاهيم عقائد ‘إما أو’ وغير مستعد للتصدي للتحدي المركب لكون اسرائيل دولة يهودية وكذا دولة ديمقراطية، دولة القومية اليهودية وكذا دولة كل مواطنيها، مثلما قررت محكمة العدل العليا اكثر من مرة. رابعا: نسيبة يدعي بان تعريف اسرائيل كدولة يهودية سينزع مواطنة العرب في اسرائيل ويمنح حقوق مواطنة لـ 10 ملايين يهودي في الشتات. لا أساس من الصحة لذلك. حتى اليمين المتطرف في اسرائيل لا يطالب بذلك. خامسا: حسب نسيبة فان تعريف اسرائيل كدولة يهودية سيمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين وانسالهم الى اسرائيل (وهو يذكر رقما 7 ملايين لاجئ). اذا فهمنا هذه الجملة بعمقها، فان نسيبة يؤيد عودة 7 ملايين لاجئ اياهم. يجدر أن نعرف بأن هذا موقفه.
سادسا: نسيبة يدعي أن تعريف اسرائيل كدولة يهودية سيمنح مكانة مفضلة للدين اليهودي على الاسلام والمسيحية. هذا بالذات صحيح، بالضبط مثلما في انكلترا، في الدول الاسكندنافية وفي الكثير من الدول الاوروبية الاخرى، هناك للمسيحية مكانة مفضلة على الاسلام واليهودية، والصليب يظهر على أعلامها. ولكن مسألة الافضلية ليست المسألة الصحيحة. المسألة هي اذا كان ابناء الاديان الاخرى يتمتعون بمساواة مدنية وبحرية عبادة أربابهم كما يشاءون. وبالذات قرار التقسيم للامم المتحدة (الذي تجاهل نسيبة وجوده كما أسلفنا) أصر على أن يكون في الدولة اليهودية (والعربية) حرية عبادة لابناء كل الاديان. يخيل أن اسرائيل استجابت لهذا الطلب، الى هذا الحد او ذاك، وفي ظروف غير سهلة. في مناطق السلطة الفلسطينية، بالمقابل، تهدد عقوبة الموت من يبيع الاراضي لليهود. لم أسمع نسيبة يندد بذلك. من أجل تأييد التفسير الذي يقول ان اسرائيل كدولة القومية اليهودية ستحرم أبناء الاديان الاخرى من حقوقهم، يأتي نسيبة باقتباس من ‘المكرا’ (أحد الكتب الدينية اليهودية). من الصعب أن نرى صلة هذه الامور بالواقع السياسي في اسرائيل، التي هي دولة قومية حديثة وديمقراطية، حقوق المواطن منصوص عليها في قوانينها وفي جهازها القضائي. ولكن مع نهاية المقال يخرج الارنب من الكيس وتنكشف الحقيقة الداخلية لكاتبه. على نحو مفاجئ بعض الشيء يقترح نسيبة ان تطلب اسرائيل من الفلسطينيين الاعتراف بها كـ’دولة مدنية، ديمقراطية وتعددية اليهودية هي دينها الرسمي’. برأيه، سيوافق الفلسطينيون على ذلك. وسواء كان هذا الاقتراح حقيقيا أم لا، واضحة البنية الفكرية التي ترافقه. بالنسبة لنسيبة، اليهودية هي دين (وهو يعترف باليهود كمؤمنين بها)، ولكن اليهود ليسوا شعبا. الاساس المبدئي لاسرائيل كدولة تعبر عن الهوية القومية اليهودية يرفضه رفضا باتا.
لاولئك الذين هم منا ممن لا يعتقدون بانه توجد مشكلة في الاعتراف بالفلسطينيين كشعب على اساس تعريفهم الذاتي، يتبقى فقط الاشارة الى عمق خيبة الامل من أن مثقفا وفيلسوفا فلسطينيا، يطالب وعن حق بحق الفلسطينيين كشعب، غير مستعد لان يقبل التعريف الذاتي لليهود كأمة. الهوة التي تفصل بين المعتدلين في اسرائيل وبين المعتدل من المثقفين الفلسطينيين، عميقة. في هذه الاثناء لا تبدو امكانية جسرها. ‘هآرتس’ 9/10/2011