لماذا لم أحب «زوربا» هذه المرّة؟

رحيل عاشق الحرية والمدافع عنها، الموسيقار اليوناني ميكيس ثيوداركيس، جاء صادماً على الرغم من بلوغه السادسة والتسعين، ولعل اختلاط صورته بموسيقاه زرع في قلوبنا أنه صورة لموسيقى غير قابلة للموت!
كثير من الناس، بعد رحيله، عادوا لمشاهدة فيلم «زوربا» لاستعادة ثيوداركيس، وكأنه الفيلم والموسيقى وزوربا-الشخصية. لا أعرف إلى أي مدى كان سيمتلك زوربا من حضور طاغ في الفيلم، لو لم يرقص الرقصة التي باتت تشكل جزءاً عميقاً من شخصية أنطوني كوين في دوره هذا، مثلما شكلت جزءاً من هوية اليونان وثقافتها، كما أشارت اليونان نفسها وهي تودّع مؤلفها.
نعرف أننا في كل مرة نذهب من جديد لمشاهدة فيلم أحببناه من زمن، أننا نقامر بحب قديم ترسّخ، وهذه معضلة كبيرة، لعلها تشبه شخصين وقعا في الحبّ وتفرّقا سنوات طوالاً، وفي اللحظة التي أتيح لهما فيها أن يلتقيا ثانية، يترددان، أو يُصدَمان، أو يتمنيان لو أنهما لم يقامرا بذكرى جميلة كبيرة جمعتهما.
هناك أفلام تنجح في الاختبار، وهناك أفلام تُخفق، أو تتعثر بذائقتنا أو بوعينا المتغيِّرَين، أو بدقة ملاحظتنا.
فيلم زوربا، الذي سبق وأن شاهدته مرتين من قبل على الأقل، كان فاتناً بحيث يمكنني القول إن موسيقى ثيوداركيس لم تكن وحدها من مضى بي لمشاهدته مرة أخرى، مع أن هذه الموسيقى كانت بالنسبة إليّ، الآن، هي الدافع الأكبر.
هنا أتحدث عن الموسيقى التي لا يمكن لنا أن نتخيّل موسيقى غيرها للفيلم، في حين يمكننا أن نتحدث عن عشرين ممثلاً يمكن أن يلعبوا دور الكاتب الراوي فيه، كما أدّاه ألن باتيس. لكننا أيضاً لا يمكن أن نتخيل أحداً يلعب دور «زوربا» كما لعبه أنطوني كوين، إلا بمعجزة، فلا أحد يملك ضحكته التي كانت تنطلق بين حين وحين، ولا لغة جسده الاستثنائية، والأمر ينطبق إلى حدّ بعيد على شخصية مدام هورتنس، التي أدتها الممثلة ليلى كيدروفا، وقد قامت بدور معجزة، استحقت لأجله جائزة الأوسكار. ولعل ما خطر ببالي أن هذه الشخصية التي ظهرت في رواية «زوربا» عام 1946 بدأنا نراها بوفرة في كثير من روايات أمريكا اللاتينية، ورواية مثل رواية «صورة عتيقة» نموذج بالغ الوضوح في هذه القضية.
كل هذه المقدّمة المُحِبَّة لأقول إن فيلم «زوربا» صدَمَني، وهذا ما لم أكن أتوقّعه، فعلى الرّغم من الإعجاب المسبق بالموسيقى، والرّقصة الأشهر، والافتتان بأداء كوين وليلى كيدروفا، وهما بالتأكيد أعظم شخصيات الفيلم، وأكثرها حضورها في الذاكرة، إلا أن الفيلم صدمني أولاً بالتقطيع المتكرر لموسيقى ثيوداركيس، وهذا يشمل الرّقصة، وإلى ذلك صدمني في ما يتعلق بأبرز حدثين في الفيلم وأثرهما، كما وردا في الرواية مقارنة بالسيناريو، وهما: مقتل الأرملة التي أدّت شخصيتها إيرين باباس (جريمة شرف بلا شرف)، ثم موت مدام هورتنس. ومردّ هذه الصدمة سيناريو الفيلم بالدرجة الأولى، هذا السيناريو الذي يقفز بلا مبالاة مرعبة فوق (مجزرتين)، وأقول «مجزرتين»، لأن طبيعة التعامل معهما أو ردود الفعل بشأنهما كانت باردة إلى حدّ مميت، حين قفز عنهما السيناريو بخفة قاتلة، خلافاً للرواية!
مفزع أن موت الأرملة جاء بسبب علاقة الكاتب الرّاوي بها، المدفوعة بإلحاح زوربا الشديد، وحينما يتم قتلها ويتفرّق الجميع لا نلمس أي أثر من الندم أو الحزن عليهما، إذ يقفز الفيلم إلى مشهد احتفاليّ يغني فيه أهل القرية، رجالها ونساؤها، وهم متوجّهون للعمل في المنجم الذي يملكه الكاتب الراوي، وكأن شيئاً لم يكن..
المفزع أيضاً أن قتْلها شارك فيه أهل القرية كلهم، نساء ورجالاً؛ فالرجال يشتهونها جميعهم وهي ترفضهم، والنساء يكرهْنَها لأن رجالهنّ يشتهون الأرملة، ولا يدافع عنها إلا مجنون القرية، لعطفها عليه، لا لوعيه بمأزقها، وفي ذلك مطابقة منسوخة لحالة بطلة فيلم «مالينا» لمونيكا بيلوتشي، الذي أخرجه جوزيبي توراناتوري، بعد صدور رواية «زوربا» بـ 58 عاماً!
كانت الطريقة التي حوصرت فيها الأرملة صورة لمحاصرَة الحيوانات المفترسة لطريدتها: أهل القرية كلهم، كما يصورهم الفيلم، قساة وشياطين، وبخاصة النساء، كبيرات السّن. لا طيبة أبداً في أرض اليونان الصغيرة هذه، بل ضباع! وستتجلى «ضبعنتهم» أكثر ما إن يصلهم خبر احتضار مدام هورتنس أيضاً، حيث تجلس امرأتان مسنتان، ندَّابتان، تنتظران لحظة صعود روحها، وهو من أكثر المشاهد بشاعة؛ ففي اللحظة التي تعتقدان أنها ماتت، تمتد يد إحداهنّ لسرقة ما في أدراج مدام هورتنس، وحين يتبين أنها لم تمت، ترتدّ اليد، وحين تموت في النهاية يبدأ المشهد «الضّبعيّ» حيث تَسلِب النساء والرجال والأطفال ممتلكاتها كلها بصورة وحشية، وأيضاً دون أن نرى أثراً لموتها على شخصيتَي زوربا ورئيسه، خلافاً للرواية!
يقول الكاتب لزوربا، زوربا الذي أقام علاقة معها منذ المشهد الأول لوصولهما إلى القرية: علينا أن ندفنها، فيرد زوربا: وما الذي يعنيه ذلك، لقد ماتت؟!
في الفيلم، تبدو علاقة زوربا بالنساء فجّة ومنفّرة، فالمحرّك هو الجنس، والمحرك كسر كل قيمة من أجل «كرامة الرجولة»؛ فزوربا الذي ينزل للمدينة لشراء ما يلزم المنجم، ينفق المال لأن بائعة هوى شككت في رجولته، بحيث ينسى ما جاء من أجله.
بعد موت مدام هورتنس المحزن، وهي شخصية تراجيدية بكل ما تعنيه الكلمة، تنتقل الكاميرا لمشهد احتفالي: إنزال جذوع أشجار الغابة التابعة للدير، والتي اشتراها زوربا بخديعة، وتمّ تقطيعها، في مشهد لا يقل احتفالية عن المشهد الذي أعقب قتل الأرملة. وما إن ينتهي المشهد، بما انتهى إليه، حتى نرى رقصة زوربا ورئيسه الكاتب (الاحتفالية) على شاطئ البحر!
ما أريد قوله في المشهدين الفاجعين، أن القطع بين مشهد سعيد إلى مشهد صادم ممكن دراميّاً، لكن العكس فيه كسر لجلال الموت ورهبته ومشاعر المشاهد المصدوم بالكارثة التي تحولت إلى عدم اكتراث هنا!
كل ما أحسستُ به وأنا أتابعهما يرقصان، أنهما يفعلان ذلك فوق جثتَي الأرملة ومدام هورتنس، فهما السبب الأول في مقتلهما: إيقاع الأرملة في الحبّ، وإيقاع مدام هورتنس بوعد الزواج، الذي عمل زوربا على التقليل من أثره عليها وهو يمارس الكذب مرة بعد أخرى، في وقت بدا فيه حزنهما طاغياً في نص الرواية بعد مقتل الأولى ووفاة الثانية.
هكذا يمكن القول إن وجود الرقصة في نهاية الفيلم كان قلّة إحساس على المستوى الفني والموضوعي، ونهاية تليق ببلادة نصّ السيناريو، لكنها لا تليق أبداً بروح زوربا الذي أحببته (في الفيلم).. ذات يوم، وحزنتُ كثيراً عليه حين مات في (الرواية).

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية