صلاح سليمانصورة اقتحام ميدان التحرير بالبغال والحمير أصبحت على كل لسان وفي كل صحيفة، يتداولها كل قلم، ويضحك عليها كل قارئ. كنا أمام شاشات التلفزيون متمركزين نشاهد أحداث ميدان التحرير في قلب القاهرة عندما وصلت الى ساحة الوطيس على حين غرة جحافل القوات المحاربة من الحزب الوطني، التي واصلت تقدمها في منظر مهيب يحبس الأنفاس الى ساحة المعركة، كان قادتها يمتطون ظهور الخيل والبغال والحمير عبرت القوات كوبرى قصر النيل وأصبحت على مرمى حجر من قوات الأعداء المتمركزين في ساحة ميدان التحرير. كانت القوات الراكبة تلوح بالسيوف والسنج والشوم في الهواء منذرة بسحق الأعداء. المعركة الآن على وشك الاحتدام فقد اكتمل شمل قوات الحزب الواطني الراكبة والراجلة في الساحة، نساء الحزب الوطني المصاحبة للقوات تزغرد لبث ّ الحماس في المقاتلين فالجميع قد قبضوا الثمن لحسم المعركة. فركتُ عينيّ وانا لا أصدّق ما أرى، خلت للحظة أن ما اراه فيلما سينمائيا من إخراج سيئ، وفجأة وجدتني اعيش مع هذا الفيلم بخيالي المفرط، فرأيت الوجوه غير الوجوه والناس غير الناس. دفعني الخيال الى ان أرى صفوت الشريف هو الذي يمتطي الجمل وفي الميمنة كان عبدالله كمال رئيس تحرير ‘ روز اليوسف’ يمتطي البغل فهو المدافع عن سياسات الحزب الوطني أما في ميسرة الجيش فكان اسامة يمتطي سرايا رئيس تحرير صحيفة ‘ الأهرام’ الناطقة باسم الجيش حماراً، وفي الخلف كانت القوات الراجلة من قوات الحزب الوطني المسلحة بالعصي والحجارة.
كان الشرر يتطاير من أعين المقاتلين المنتسبين لكتيبة الحزب الوطني قبل التحامهم بكتيبة الأعداء من شباب الـ ‘ فيس بوك’ و’ تويتر’ في ساحة الحرب. كان حماس الشباب من كتيبة الأعداء راسخاً وقوياً فهم يتواصلون بطرق حديثة علاوة على انهم من الشباب المثقف الذكي وهم لا يرغبون في أكثر من حياة كريمة حرة توزع فيها ثروات البلاد بشكل عادل وناصف. إذن هذه القوات المتمركزة من الشباب ليست لديها قوات راكبة أو راجلة ولا يتوافر لها دواب كالحمير والبغال والخيل الذي توافر لقوات الحزب الوطني، لكن كان الذي يتوافر معهم هو أجهزة الموبايلات وأجهزة كومبيوتر متفرقة، ولكن مخابرات كتيبة الحزب الوطني تيقنت لهذا الأمر فقام خبراء التقنيات في جيش الحزب الوطني بوقف عالم الاتصالات عن الاعداء في ميدان التحرير.
إذن كل مؤشرات النصر كانت تبدو انها ستحسم لكتيبة الحزب الوطني، عندئذ علت زغاريد الراقصات والفنانات اللواتي كنّ يقفن في مؤخرة كتيبة الحزب الوطني لحثّ الرجال على القتال.
بدأت المعركة واندفع الجمل الى ساحة المعركة ومن حوله الحمير والبغال وعربات الكارو لتقتحم الصفوف وتدخل الى قلب المعركة، أسقط في يد شباب الـ ‘ فيس بوك’ و’ تويتر’ وعلى الفور تنبهوا الى الأمر والتفوا في مجموعات حول الجمال والبغال والحمير وأمسك الشباب بذيول كل الدواب وفي لحظات قليلة كانت المعركة قد انتهت بهزيمة كتيبة الحزب الوطني ولم اعد أرى أثراً لدواب الحزب الوطني.
لم يرضَ قادة كتيبة الحزب الوطني عن هذا الانهيار المفاجئ في قواتهم، فاجتمعوا وخططوا وقرروا الانتقال الى مرحلة متطورة من القتال الحديث تعتمد على الأسلحة الحديثة والفتاكة لمباغتة قوات الـ ‘ فيس بوك’ و’ تويتر’، وفي منتصف الليل تماما كانت ساعة الصفر التي فضل الحزب الوطني ان يدخل فيها المعركة بالقوات الراجلة فقط، وكانت المفاجأة وهي شن الهجوم بالقنابل الحارقة على المتظاهرين ثم تطور الأمر الى اطلاق الرصاص بكل خسة ونذالة عليهم وتم قتل الكثيرين في يوم اسود حزين اهتز له العالم كله وكانت فضيحة مدوية بكل المقاييس كشفت عن مدى التردي والسوء الذي كان يغلف الحياة السياسية المصرية في حقبة الحزب الوطني صاحب شعار ‘ معا نبني مستقبل مصر’ والذي يمكن استبداله الآن بـ ‘ معاً نبني مستقبل مصر بمساعدة البغال والحمير’!