لماذا لم تخبر السعودية تركيا حتى الآن بمكان إخفاء جثمان خاشقجي رغم قرب اعترافها بمقتله؟

إسماعيل جمال
حجم الخط
3

إسطنبول ـ «القدس العربي»: على الرغم من الحديث عن «تفاهمات» تركية سعودية عقب الاتصال الذي جرى بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والملك سلمان بن عبد العزيز، والتوقعات باستعداد السعودية للاعتراف بمقتل جمال خاشقجي إلا أن المملكة ما زالت تضع العراقيل ولا تقدم أي تسهيلات لفرق التحقيق التركية التي تسعى حالياً وبالدرجة الأولى إلى الوصول إلى مكان «جثة» خاشقجي عقب «تسليم» جميع الأطراف بمقتله.
ومنذ أيام تعمل فرق التحقيقات التركية ممثلة في الأمن العام والاستخبارات وفرق التحقيق الجنائي المزودة بأحدث التقنيات العالمية على مدى الليل والنهار في محاولة للوصول إلى مكان إخفاء جثمان جمال خاشقجي الذي بات من شبه المسلم به أنه قتل داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وهي المعضلة التي يمكن للجانب السعودي حلها بكل بسهولة عبر إعلام الجانب التركي عن مكان جثمان خاشقجي.
ورغم أن فرق التحقيق التركية تعمل في إطار لجنة تنسيق مشتركة مع الجانب السعودي يتواجد بها ممثلون عن أجهزة الأمن ووزارات العدل والخارجية والداخلية، إلا أن مهمة الفريق السعودي ما زالت تتمثل بإخفاء ما يمكن إخفاؤه من الأدلة وإعاقة عمل فرق التحقيق التركية، متسلحةً بالحصانة الدبلوماسية التي تتمتع بها مباني القنصلية ومنزل القنصل واسطول السيارات التابعة لهما، وهي العناوين الأساسية لفرق التحقيق التركية.
ولأكثر من مرة ماطل الفريق السعودي في منح الأذونات اللازمة لفرق التحقيق التركية لدخول مبنى القنصلية وهو الأمر نفسه الذي حصل مع مبنى إقامة القنصل، فيما لا زالت الجهات التركية المعنية تنتظر الحصول على إذن لتفتيش أكثر من 20 سيارة تابعة للقنصلية.
وفي القنصلية حاول الفريق السعودي تقييد التحقيقات التركية واقتصار ذلك على التفتيش النظري دون استخدام التقنيات العلمية الحديثة التي تكشف بالدرجة الأولى عن آثار الدماء، ولاحقاً ماطلت الرياض في منح الإذن لتفتيش منزل القنصل وادعت أن وجود عائلته بالداخل يعيق منح الإذن، وغيرها من المبررات التي أخرت سير التحقيقات لعدة أيام.
وقبل دخول فرق التحقيق التركية إلى مبنى القنصلية ومنزل القنصل بساعات كان يدخل الفريق السعودي للقيام بإجراءات قالت وسائل الإعلام التركية إنها تهدف إلى إخفاء ما يمكن إخفاءه من أدلة حتى اللحظات الأخيرة، وفي أكثر من مرة أدخلت مواد تنظيف بكميات كبيرة للقنصلية ومنزل القنصل أمام أعين الجانب التركي الذي لم يتمكن من التدخل لوقف عمليات محو الآثار وتشويه الأدلة خشية انتهاك القوانين الدولية التي تسلح بها الجانب السعودي.
ويعتقد أن السعودية وعلى الرغم من المؤشرات الكثيرة على قرب إقرارها بمقتل خاشقجي بروايتها الخاصة، إلا أنها ترغم في تحقيق هدفين هامين من خلال إعاقة عمل فرق التحقيق التركية وإخفاء الأدلة بدلاً من توفير الوقت والجهد عليها عبر إبلاغها بمكان جثمان خاشقجي.
يتعلق الهدف الأول بأن الجانب السعودي ما زال بحاجة لمزيداً من الوقت لكي يتمكن من صياغة رواية له يمكن تمريرها على الرأي العام العالمي وتحظى بمباركة أمريكية وقبول تركي إن أمكن، وهو الأمر الذي لم يتحقق لحتى الآن، وبالتالي فإن تأخير حصول الجانب التركي على الدليل النهائي الذي يتمثل بـ«الجثمان» وبالتالي الإعلان عن مقتله رسمياً يصب في هذا الخانة.
لكن الهدف الثاني والأهم يتمثل في مسعى الجانب السعودي ورغم معرفته بأنه سيضطر عاجلاً أم آجلاً للاعتراف بمقتل خاشقجي، إلا أنه لا يريد للجانب التركي الحصول على أدلة «جنائية» موثقة تتيح للجانب التركي الوصول لتصور نهائي موثق حول الأشخاص الذين نفذوا عملية القتل والتخلص من الجثة، لأن ذلك ربما يتعارض مع الرواية السعودية التي تسعى الرياض لحياكتها، كون الأدلة الجنائية سوف تتفوق على الرواية الرسمية مهما حاولت المملكة أن تكون روايتها محبوكة ومقنعة.
وعقب ساعات طويلة من التفتيش استمر طوال اليل، أنهت فرق التحقيق التركية صباح الخميس تفتيش منزل القنصل حيث شمل التفتيش المنزل والحديقة وراب السيارات الذي تبين أنه تم طلائه حديثاً لإخفاء آثار معينة على جدرانه، لكن دون أي مؤشرات على العثور على جثمان خاشقجي داخل منزل القنصل كما كان متوقعاً.
وما يعزز ذلك، اتجاه الأمن التركي لمرحلة جديدة من التحقيقات متمثلة في طلب تفتيش 16 سيارة تابعة للقنصلية كان لها تحركات مشبوهة يوم اختفاء خاشقجي في الثاني من الشهر الجاري، إلى جانب بدأ عمليات تفتيش في ثلاثة مناطق يشتبه أن هذه السيارات توجهت اليها في ذلك اليوم. ولأول مرة منذ اختفاء خاشقجي، أصدرت النيابة العامة في إسطنبول بياناً قالت فيه إن التحقيق في قضية خاشقجي متواصلاً في جميع نواحيه بما يتوافق مع مقتضيات القوانين والاتفاقيات الدولية، وأشارت إلى استمرار الإجراءات القضائية الخاصة بالفحوصات والتحقيقات.
وقال وزير العدل التركي، عبد الحميد غُل، الخميس، إن بلاده تدير قضية اختفاء خاشقجي، بعناية فائقة ونجاح، على حد تعبيره، مؤكداً أن التحقيقات «تجري بدقة وعمق في كل مراحلها»، معربا عن توقعه بالتوصل إلى نتيجة في أقرب وقت.
وأشار إلى أن النيابة العامة هي من تجري تحقيقات اختفاء خاشقجي وليست وزارة العدل، مؤكدا أن نيابة إسطنبول ستفعل ما يملي عليها القانون والقوانين الدولية في تحرياته لقضية خاشقجي، قائلاً: «يتعين على السلطات القضائية التصرف وفقا للاتفاقيات الدولية والقانون الدولي، لأنه اختفى داخل قنصلية بلاده في إسطنبول».
وشدد الوزير التركي على أنه من الممكن للمحكمة أن تطلب، إعادة المطلوبين وفق الاتفاقيات الدولية في حال وجودهم ببلد آخر، أو إصدار نشرة حمراء لإعادتهم في حال عدم معرفة مكان وجودهم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية