بدءا دعونا نصحح’التاريخ، ثورات الربيع العربي كلها بدأت بالشتاء لا بالربيع، بعد عقود من الجفاف، حلّ الشتاء في 2011، فرحنا، وظننا أن لهيب الشمس في صحراء حياتنا آن لها الأفول، وأن المطر سينهمر ليروي عطشنا للحرية، وبعدها سيزهر الربيع في حدائق التحرير فتنبت زهور العدالة والكرامة، ظننا اننا لن نر بعدها خريفا قط، ولكن انهمرت دماء الشهداء، وفقد الثوار بعضا من اطرافهم والبعض فقدواعيونهم. لاحقا لوحقوا واعتقلوا، وعذبوا وحوكموا وادينوا وسجنوا، تماما كما في الخريف الذي سبق شتاء الثورة، لم يتغير شيء، نفس الوجوه، ضباط الامن والجيش والقضاة والسجانون، هم أنفسهم، نفس العصابة.
اعتقدنا، كما الثوار السذج، أن الاطاحة برأس النظام هو الهدف الاول والاخير، وبعدها ستستقيم الامور، ولن يكدّر حريتنا أحد. اكتشفنا متأخرين ان رأس النظام هو كائن اسطوري بألف رأس وألف يد وألف رجل وألف ذنب. وتفاجأنا أنه بعد أقل من سنة، نبت له أكثر من رأس والاف الالسنة وألف يد (باظافر طويلة) والف رجل (بمخالف غاية في الحدة) ومئات الالاف من’ الذيول. الغريب في الامر ان الكثير من هذه الاذناب كان لها تاريخ ثوري مشرّف! وأنها غيرت اتجاه الذيل مئة وثمانين درجة فلنبدأ بتونس التي مرت بفترات عصيبة، ولولا حكمة حزب النهضة وتنازله عن السلطة من اجل الصالح العام لكان لمسار تونس منحنى خطير لا يعرف عواقبه أحد، ربما وصلت تونس شاطئ الامان الان، ان لم تحدث مفاجآت جديدة. هذا على الاقل من الناحية السياسية والامنية، اما من الناحية الاقتصادية فما زال امام تونس الكثير من العقبات التي عليها ان تتجاوزها للنهوض بالبلاد.
اليمن السعيد ما زال يواجه الميليشيات القبلية والطائفبة والتكفيرية وذيول النظام السابق والاملاءات الامريكية والخليجية. الحوار الوطني ما زال يراوح مكانه، وأزمة الثقة بين الجنوب والشمال لم تحل بعد، فأنى بربكم لهذه الثورة أن تنجح؟ في سوريا، انقذ النظام من السقوط بدعم ميليشيات حزب الله والميليشيات العراقية بعد ان عجز الدعم الروسي والايراني. ما زال السوريون يقدمون مئات الالاف من الشهداء، رغم صعوبة المعادلة الاقليمية والدولية. هذا الاخطبوط السوري، شهريار تجاوزت لياليه الدامية الالف ليلة وليلة، ولكنه لن يستطيع الفتك بشهرزاد ولا حتى بالزواج منها، وربما تنتهي الاسطورة بأن تقتله شهرزاد انتقاما لكل الشهيدات والشهداء، ولكن كم من ليال اخرى تحتاجها شهرزاد؟
في ليبيا، ما زالت الميليشيات (الثورية) تتحكم بآبار النفط والمشهد السياسي. ميليشيات تهدد باسقاط الحكومة، وأخرى تساند الحكومة، واشاعات عن انقلابات وتأهبات عسكرية، وبرلمان منتهية ولايته والشعب منقسم بين التمديد وعدمه، وميليشيات من النظام السابق تطل برأسها، بين الفينة والأخرى، مذّكرة انها ما تزال موجودة. أما عن مصر فحدّث ولا حرج. البعض يسميه انقلابا، والبعض يسميه ثورة او ثورتين. أيا كانت التسميات، فالمحاكمات الجارية، والفتك بالمتظاهرين لا يدل في واقع الامر الا على ان الاخطبوط الاسطوري بعث بعد موته وأتى ليلتهم كل من آذاه أو حتى حاول ايذاءه قولا او فعلا أو حتى تفكيرا. ثورة 25 يناير لم تعدّل او تصحح، انها سرقت وانتهت، رغم محاولة البعض استردادها. الواقع الذي يجب الا ننكره ان هذا الاخطبوط الاسطوري كائن ليس سهلا ابدا هزيمته، على ان المهمة ليست مستحيلة، فلا مستحيل في الاساطير، والنهايات مفتوحة على كافة الاحتمالات.
اما لماذا فشلت هذه الثورات، او معظمها، فمن قائل بوجود المؤامرات، الى القائل باننا لم ننضج بعد للتجربة الديمقراطية، الى القائل بولاء المؤسسات العسكرية المطلق للأنظمة السابقة الى جانب ولاءاتها الخارجية وتغلغلها في الحياة المدنية بشراهة، اقتصاديا واعلاميا. البعض يعزوها الى فشل الاسلام السياسي في ادارة البلاد سياسيا، وآخرون يرون انه لم يعط الفرصة الكافية وأنه لم يفشل بل فُشّل.
لو نجح الربيع العربي (أو الشتاء للدقة) لانتشرت ازهاره الى الجوار النائم، ولكن انتشر شرر التفجيرات الى لبنان. حاول العراقيون اشعال ثورتهم، ولكن نظرا للتحالفات الاقليمية والدولية، فان الحكومة تحارب اعلاميا ضد الارهاب، ولكن لا تيأسوا أهل العراق فكل الثورات، في بداياتها اتهمت بالارهاب، لكن لا تقعوا في الفخ الذي وقع فيه اشقاؤكم، المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فالمطلوب ليس تغيير رأس النظام، بل هذا النظام الطائفي (الاخطبوط) برمته، قبل ان تمتد ذيوله ومخالبه أكثر.
ربما لم تفشل هذه الثورات، ربما كان مخاضا عسيرا وطويلا، وربما كان هذا درسا للشعوب العربية التي لم تر ربيعها حتى الان لتبدأ ربيعها’ واضعة نصب اعينها استراتيجيات مبتكرة للقضاء والاطاحة… لا…لا’ ليس رأس النظام، بل الاخطبوط الاسطوري.
‘ كاتب فلسطيني ‘