لندن ـ «القدس العربي»: ظلت أشهر الصحف ووكالات الأنباء العالمية، تتسابق في تحديث الأخبار والتقارير عن آخر مستجدات محاولات نادي اتحاد جدة لإقناع المسؤولين وأصحاب القرار في ليفربول بالتخلي عن الميغا ستار المصري محمد صلاح، حتى بعد غلق سوق الانتقالات الصيفية في إنكلترا وباقي دوريات أوروبا الكبرى مطلع الشهر الجاري، إلى أن تنفس المدرب يورغن كلوب وعشاق الريدز، الصعداء أول أمس الجمعة، بتوقف هذه المطاردة ولو بشكل مؤقت مع شروق شمس أول يوم بعد «الديد لاين» في ميركاتو دوري روشن الاستثنائي في 2023.
الفارس النبيل
نعرف جميعا، أن الفرعون تعرض لضغوط نفسية، أقل ما يُقال عنها قاسية ولا يقدر على تحملها أغلب البشر الطبيعيين، نتحدث عن لاعب كرة قدم بعمر 31 عاما، يتقاضى الآن ما يلامس الـ350 ألف جنيه إسترليني في الأسبوع، وكانت أمامه فرصة لزيادة دخله لأضعاف الأضعاف، أو كما قال بول ميرسون في مقابلة مع شبكة «سكاي سبورتس» الناطقة بالإنكليزية «هذا العرض سيجعل أحفاده لا يفعلون أي شيء»، وكان ذلك في فترة عض الأصابع الأولى، بتمنع ليفربول على عرض الـ150 مليوناً لشراء ما تبقى من عمر الهداف التاريخي للفريق في البريميرليغ ومثلها لصاحب الشأن، قبل أن يرتفع العرض لأكثر من 200 مليون لإطلاق سراح المو من «الآنفيلد»، إضافة إلى 600 مليون للنجم مقسمة على عقد مدته أربع سنوات، طبعا بخلاف الامتيازات الملكية، وفي رواية أخرى الجنة المنتظرة في العاصمة الثانية، مثل العيش في واحد من أفخم قصور المدينة الساحلية، وتحيطه مجموعة من أفخم المحركات العالمية وطائرة خاصة رهن إشارته وإلخ، ومع ذلك لم يغير موقفه مع المدرب والمسؤولين والجماهير، بل حتى لم يفكر في التلويح بالضغط على النادي للسماح له بتأمين مستقبل أحفاد الأحفاد، وهذا بالذات ما تسبب في استمراره مع الفريق، ولنا أن نتخيل لو اختار الحل السهل، بإظهار ولو قليل من الغضب والامتعاض، كاعتراض ضمني على تجاهل العروض السعودية الضخمة التي ستجعله يكسر الرقم القياسي لأغلى صفقة في التاريخ، والمسجلة باسم نيمار جونيور، بانتقاله من برشلونة إلى باريس سان جيرمان عام 2017، مقابل تسديد قيمة الشرط الجزائي في عقده، والتي كانت مقدرة بنحو 222 مليون يورو.
التشبث بالحلم
صحيح أحمر الميرسيسايد لن يشارك في دوري أبطال أوروبا هذا الموسم، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن صلاح فقد فرصه في تحقيق حلمه الكبير، بالحصول على جائزة «الكرة الذهبية» كأفضل لاعب في العالم من مجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية، لا سيما بعد عودة الحياة إلى ما كانت عليه قبل عصر هيمنة الثنائي الفضائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، بانتقال الأول إلى النصر السعودي والآخر إلى إنتر ميامي الأمريكي، فضلا عن انسحاب باقي المنافسين المخضرمين المحتملين على الجائزة، أبرزهم آخر فائز بالجائزة كريم بنزيمة ووصيف ساديو ماني، وبدرجة أقل الساحر الجزائري رياض محرز وباقي الطيور المهاجرة من القارة العجوز إلى جنة اللاعبين الجديدة في الشرق الأوسط، ولو أن تحقيق هذا الحلم البعيد، يحتاج لبعض الترتيبات والهدايا السماوية، منها عودة ليفربول إلى مناص التتويج، ويا حبذا لو جمع بين البريميرليغ واليوربا ليغ، حيث سيُنظر إليه في وسائل الإعلام البريطانية و«السوشيال ميديا»، على أنه البطل الذي انتشل يورغن كلوب من براثن الضياع، باعتباره النجم العالمي الأبرز في مشروع كلوب بعد الاستغناء عن ساديو ماني وفيرمينو وباقي المخضرمين المغادرين، وفي نفس الوقت يحتاج معجزة من السماء، ألا تذهب كأس دوري أبطال أوروبا لخصومه المباشرين، والإشارة إلى منافس الأمس في البريميرليغ هاري كاين، المنتقل حديثا إلى بايرن ميونيخ، أو روبرت ليفاندوسكي مع برشلونة، أو واحد من الثنائي كيليان مبابي وإيرلنغ براوت هالاند مع باريس سان جيرمان ومانشستر سيتي، وبينهما يكسر نحسه مع كأس أفريقيا، التي خسرها مرتين بعد الوصول للمباراة النهائية.
رد الجميل
واحدة من الأسباب التي يمكن وضعها في الاعتبار، هي علاقة أبو صلاح مع مشجعي النادي والحب المتبادل بينهما، ومن الواضح أنه رفض التضحية بإرثه وتاريخه وكل ما بناه مع الجماهير والعائلات في الجزء الأحمر لمدينة نهر الميرسيسايد، حتى لو كان المقابل الحصول على نفس راتب كريستيانو رونالدو ونيمار جونيور مع النصر والهلال في السعودية، وهذا يمكن تصنيفه نوعا من أنواع العرفان ورد الجميل، بعد تنصيبه ملكا للريدز، كما يسمع في كل مرة يحتفل فيها بأهدافه بين الأنصار في «الآنفيلد»، ولا ننسى أنه يعرف جيدا أن خروجه في هذا التوقيت، سيأتي بنتائج كارثية على مشروع المدرب يورغن كلوب، وذلك لاستحالة العثور على بديله قبل أيام من غلق الميركاتو في إنكلترا، وبالتالي كان من المتوقع أن تفشل باقي المحاولات في الأسبوع الأخير للسوق السعودية، بما في ذلك العرض الخيالي الأخير الذي بلغت قيمته 250 مليون باوند إنكليزي، لانتهاء الموضوع بالنسبة لكلوب وصلاح والمسؤولين في النادي، كما قالها المدرب سبع مرات في حواراته الأخيرة مع الصحافيين، لكن ربما إذا جاء العرض في وقت مبكر، في أواخر يونيو/حزيران وبداية يوليو/تموز، أي قبل بداية جولة الاستعداد واستقرار المدرب الألماني على قائمة الموسم الجديد، لربما تعاملت الإدارة الأمريكية المستحوذة على النادي مع العروض السعودية الفلكية بطريقة أفضل من ذلك، بدلا من فقدان معنى الـ250 مليوناً بعد غلق الميركاتو، حيث ستتلاشى فرص الفريق في التواجد ضمن الأربعة المنافسين على البطاقات الإنكليزية المؤهلة لدوري الأبطال.
ماذا بعد؟
من ناحية المنطق والعقل، ربما يعود اتحاد جدة بعرض آخر في يناير/كانون الثاني أو مع بداية النافذة الصيفية القادمة، وهذا في حال لم يفقد النادي السعودي الرغبة أو الشغف لإتمام الصفقة، وهنا لن يعترضه كلوب أو أحد من مشجعي النادي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه، هل سيعود صندوق الاستثمار السعودي بنفس الأرقام الفلكية؟ وهل سيوافق ليفربول بعد رفض ربع مليار يورو؟ أما على أرض الواقع، ففي الغالب لن يعود فريق النمور مرة أخرى، استنادا إلى التقارير المحلية والمصادر الموثوقة، التي تجمع على أن الصندوق يدخل المفاوضات تحت شعار «إما الآن وإما غلق الملف للأبد»، وهذا الأمر أكدته صحيفة «اليوم» السعودية بعد فشل محاولة الخميس الماضي، ناقلة عن مصدر من داخل حامل لقب دوري روشن، أن الرئيس أنمار الحائلي، لن يعود مرة أخرى لطلب قائد المنتخب المصري من ليفربول، وكذلك صحيفة «ديلي ميل» علمت من مصادرها، أن الوفد السعودي المتواجد في إنكلترا منذ أكثر من أسبوع، على أمل أن ينجح في الظفر بتوقيع صلاح، يشعر بالهزيمة وخيبة الأمل، من الموقف المتشدد لكلوب وتماسك إدارة ليفربول أمام إغراءات المال، وبدرجة أقل اللاعب، الذي اكتفى بالصمت ومشاهدة ما يحدث، ما سيضاعف حب وتعلق جمهور الريدز بنجم الألفية الجديدة، وفي النهاية الأخرى، قد يكون سببا في تكرار فرصة العمر والوصول إلى أعلى ممكن من الأمان المادي بعد التوقف عن ركل المجنونة المستديرة.