لندن – “القدس العربي”: واصل المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو تخبطه بعد العروض المتواضعة للغاية لتوتنهام، بجمع النقطة الثامنة في أول خمس مباريات خاضها السبيرز بعد استئناف النشاط الكروي الشهر الماضي، وجاءت هذه النقطة بشق الأنفس وبمساعدة حكم الفيديو، بعد إلغاء هدف مهاجم بورنموث كالوم ويلسون في الدقائق الأخيرة، لينجو الفريق اللندني من هزيمة محققة، في واحدة من أسوأ مبارياته في كل العصور.
فلاش باك
قبل توقف كورونا الإجباري، كان مورينيو يبكي ويتباكى على لاعبيه المصابين، وبالأخص على ثلاثي الهجوم هاري كاين والكوري سون والوافد الجديد ستيفن بيرغوين وباقي الأسماء التي افتقدها الفريق في الربع الأول من هذا العام، وهذه كانت حجته لتبرير النتائج السيئة والأداء الصادم للمشجعين، مع ذلك، نجح في جمع 30 نقطة في 17 مباراة، منذ توليه قيادة الفريق خلفا لمؤسس المشروع الذهبي ماوريسيو بوتشيتينو في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، وحتى التعادل مع بيرنلي في آخر مباراة خاضها في الدوري قبل الجائحة، ليقفز بالفريق من المركز الرابع عشر إلى الثامن، على بعد 4 نقاط من مانشستر يونايتد الذي كان وما زال في المركز الخامس، لكن ما أُخذ على “المو”، عدم ظهور البصمة المتوقعة منه في الشق الدفاعي بالذات، باستقبال الشباك لـ23 هدفا في تلك المباريات، على عكس الصورة النمطية المعروفة عن فرق مورينيو، أنه تمتاز دائما وأبدا بالصلابة الدفاعية، بما في ذلك تجربته المأساوية مع مانشستر يونايتد وولايته الثانية مع تشلسي.
عودة متضاربة
اعتقد عشاق الفريق اللندني أن المدرب البرتغالي وضع يده على الخلطة السحرية، بعد العرض المقنع أمام مانشستر يونايتد في أول مباراة بعد استئناف النشاط، والظهور المبشر للعائدين من الإصابة، وبالأخص الهولندي بيرغوين، الذي سجل الهدف بمجهود فردي يُحسد عليه، ورغم ضياع فرصة تحقيق الفوز على أول منافس من الخمسة الكبار في حقبة “سبيشال وان”، إلا أن جرعة التفاؤل زادت مع إسقاط الجار اللندني وستهام بهدفين نظيفين، قبل العودة الصادمة إلى نقطة الصفر، بالتجرع من مرارة الهزيمة على يد شيفيلد يونايتد بنتيجة 1-3، ثم الفوز على إيفرتون بأداء باهت وبهدف بالنيران الصديقة سجله مايكل كين بالخطأ في مرماه، وتابعها بالمباراة الكارثية، التي فشل خلالها هاري كاين وباقي الرفاق في تسديد ولو كرة واحدة بين القائمين والعارضة، كأول مرة يعجز فيها أي فريق عن التسديد على مرمى كتيبة إيدي هاو، منذ أن فعلها ميدلزبره في “تشامبيون شيب” عام 2015، وأيضا المرة الأولى، التي لم يُهدد فيها مرمى بورنموث ولو مرة واحدة في 186 مباراة على مستوى الدوري الإنكليزي الممتاز، ونفس الأمر بالنسبة لمورينيو، كانت المرة الأولى منذ عام 2007، يفشل فيها فريق يدربه في التسديد على مرمى الخصم، وهذا في حد ذاته، يلخص الحالة المأساوية التي وصل إليها هجوم توتنهام مع المدرب الذي كان يُضرب به المثل في التكتيك، بالمقولة الشائعة بين الكرويين “فاكر نفسه مورينيو”، وإلا لما لّقب رحيم ستيرلنغ والدته بـ “جوزيه مورينيو”، كإشارة إلى اطلاعها وثقافتها العالية في اللعبة الشعبية الأولى على مستوى العالم.
هل فشل مورينيو؟
لا شك أبدا أن جوزيه يتحمل الجزء الأكبر من الصورة الرديئة التي يقدمها وصيف دوري أبطال أوروبا الموسم الماضي، رغم أنه تسلم المهمة في منتصف الموسم، لكن بوجه عام، يُعاب عليه، التفنن في نحر مشروع “البوش”، بتقديم واحدة من أبشع وأقبح أشكال كرة القدم، ليس فقط في إنكلترا بل في الدوريات الأوروبية الكبرى، بالاعتماد تارة على أقدار الله، كما أنقذته تقنية الفيديو من ستة أهداف، كانت كفيلة بوضعه في النصف الثاني لجدول الترتيب العام، وتارة أخرى على هدايا الخصوم أو لحظة إبداعية فردية، والدليل على ذلك، أنه في أول 5 مباريات بعد العودة، سجلت كتيبة “الليلي وايتس” خمسة أهداف، منهم هديتان من الخصوم وهدف بمجهود فردي بحت من بيرغوين، مقابل هدفين بعمل جماعي سجلهما هاري كاين في وستهام وشيفيلد يونايتد، ما يعكس الخلل الكبير في منظومته الجماعية الهجومية، حتى بعد اكتمال القوة الضاربة بتعافي المصابين طوال أشهر توقف كورونا، وأمر كهذا يضع الكثير من علامات الاستفهام حول أفكار المدرب العالمي، وفي نفس الوقت، يعطي فرصة للمتربصين بالتشكيك في إمكانية عودته إلى سابق عهده، كمدرب ملقب بـ”صائد البطولات”، بفضل ألقابه الـ26، التي حققها مع أنديته السابقة بورتو وتشلسي والإنتر وريال مدريد ومانشستر يونايتد، وذلك ليس فقط لتحجر أفكاره داخل المستطيل الأخضر، وتأخره في مجاراة نسق بيب غوارديولا ويورغن كلوب، بل الجديد، لاهتزاز صورته أمام الرأي العام، بعد اشتباك هوغو لوريس مع هيونغ مين سون أمام أعينه بين شوطي صدام التوفيز، في لقطة فسرها البعض على أنها ضعف سيطرة من قبل المدرب على اللاعبين وغرفة خلع الملابس.
على أي حال، على مستوى الأرقام والمحصلة النهائية، فيمكن القول، إن مورينيو لم يحقق المطلوب منه في موسمه الأول في الجزء الأبيض من شمال لندن، والأمر لا يتعلق بالأداء المتواضع، مقارنة بالنسخة التي تركها المدرب الأرجنتيني، حتى في أسوأ لحظاته، بل أيضا بموسمه الصفري من حيث البطولات وأبسط الأهداف، بعد الخروج من كأس الاتحاد الإنكليزي على يد نوريتش في الدور الخامس، وفضيحة الخروج من دوري الأبطال على يد لايبزيج، بالهزيمة في ذهاب دور الـ16 بهدف نظيف في قلب “توتنهام هوتسبير” والسقوط في إياب “ريد بول آرينا” بثلاثية نكراء، ومؤخرا، رفع الراية البيضاء في الصراع على المركز الرابع المؤهل لدوري الأبطال، وكذلك الخامس، المحتمل أن يكون مؤهلا للبطولة، في حال رفضت المحكمة الدولية (كاس) الطعن المقدم من مانشستر سيتي، لرفع العقوبة المفروضة عليه من قبل اليويفا، بعدم المشاركة في المسابقات الأوروبية في العامين المقبلين، وذلك بعد التأخر عن مانشستر يونايتد صاحب المركز الخامس بتسع نقاط، بجانب ذلك، يواجه خطر الغياب عن الدوري الأوروبي، إذا لم ينتفض أمام آرسنال في دربي اليوم ومبارياته الثلاث الأخرى المتبقية أمام نيوكاسل وليستر وكريستال بالاس.
الخطوة المقبلة
يبقى الشريك الآخر المساهم في مأساة توتنهام هذا الموسم، هو الرئيس دانيال ليفي ومجلس إدارته، بصب جُل تركيزهم على التحفة المعمارية الحديثة، على حساب مشروع بوتشيتينو، بعد استنزافه حتى آخر قطرة على مدار خمس سنوات، بتدعيمات لا تليق بطموح فريق أنهى موسمه في المركز الرابع للدوري الإنكليزي وثاني دوري أبطال أوروبا، ومن سوء الطالع، لم يستفد الفريق من صفقاته الجديدة كما ينبغي، بسلسلة من الانتكاسات ضربت الثلاثي جوفاني لو سيلسو وندومبيلي وبيرغوين، بجانب العناصر الأساسية التي حُرم منها إما بداعي الإصابات أو من رحلوا في منتصف الموسم، كمايسترو الوسط كريستيان إريكسن بانتقاله إلى الإنتر وداني روز إلى نيوكاسل، بعد وصول علاقته بالمدرب إلى طريق مسدود. والإدارة تعي جيدا، أن جُل ما سبق، أعاق مورينيو على تحقيق أهدافه في الموسم الأول، لهذا، لن تتم التضحية به مع نهاية الموسم، حتى لو خسر المباريات المقبلة، على أمل أن تتحسن الأوضاع عندما يكون مسؤولا عن اختياراته في قائمة الموسم الجديد، أي بعد التخلص من الأسماء التي لا تتوافق مع أفكاره وجلب عناصر جديدة تتوافق مع الميزانية المحدودة وفي نفس الوقت تحقق النقلة المنتظرة في مشروع المدرب البرتغالي، بسبب التزام النادي بالديون المستحقة لسد قروض تمويل الملعب الجديد.
حلول مسكنة
بإلقاء النظر على احتياجات توتنهام في الموسم المقبل، سنجد أنه لن يبالي بمركز حراسة المرمى في ظل وجود هوغو لوريس وباولو غازانيغا، بينما في الدفاع، سيكون بحاجة لبديل على نفس خبرة وكفاءة البلجيكي يان فيروتونخن بعد رحيله، وذلك بالتفكير في استعارة دييغو غودين من الإنتر أو صامويل أومتيتي من برشلونة، لتبقى لديه وفرة في مركز قلب الدفاع على مدار الموسم مع الأسماء المتاحة توبي ألديرفيريلد وخوان فويث ودافينسون سانشيز والصغير تانغانغا، وعلى مستوى الأظهرة، قد يجد ضالته في استعارة سيميدو من برشلونة أو أودريوزولا من ريال مدريد، لتحريك جهة أورييه وبيترز الخامدة. وفي اليسار، إن لم ينجح في تطوير ريان سيسينيون، كمنافس حقيقي لبن ديفيز، فربما يتجه إلى خيار استعارة جونيور فيربو من برشلونة. أما في الوسط، فظاهريا يبدو أنه ليس بحاجة لدماء جديدة لكثرة الأسماء المتاحة من نوعية هاري وينكس وموسى سيسوكو وأوليفر سكيب وإيريك داير وديلي آلي ولو سيلسو، لكن لا ننسى أنه يتجاهل ندومبيلي كثيرا على مقاعد البدلاء، وفي نفس الوقت، هناك أندية مثل برشلونة ويوفنتوس تريد التعاقد معه، وفي حال وافق مورينيو، فقد يستفيد النادي بمبلغ مالي ولاعب بديل كإيفان راكيتيتش أو آرون رامزي أو أدريان رابيو. وفي الهجوم، لا مفر من التوقيع مع بديل للقائد هاري كاين، بعد زيادة معدل إصاباته، ولو صدقت الأنباء التي تتحدث عن إمكانية بيعه لمساعدة النادي في سد ديون بناء الملعب، فقد يعوضه بإدينسون كافاني بدون مقابل، بجانب التضحية بحوالي 40 إلى 50 مليوناً لشراء لوكا يوفيتش من ريال مدريد أو ميليك من نابولي أو دوسان فلاوفيتش من فيورنتينا، لضمان الوفرة العددية المطلوبة في الهجوم بجانب سون ومورا وبيرغوين ولاميلا، فهل يقوم باستثمار مشابه لإحداث ثورة حقيقية في مشروعه ردا على المنتقدين؟ أم أنه أفلس كرويا وجار عليه الزمن؟