دوري غولدفي مثل هذا الاسبوع قبل 45 سنة بحسب التقويم الميلادي، حرر الجيش الاسرائيلي مدينة القدس القديمة ووحد عاصمة اسرائيل من جديد. وأكثر المعارك التي وقعت في تلك الايام هي بمنزلة ذكرى أخذت تبتعد. ويصعب اليوم ان نتخيل وضع اسرائيل قُبيل الحرب حينما كان أكثر الجيش الاردني منتشرا على طول الخط الاخضر محدقا بالقدس من ثلاث جهات. في تلك الايام المصيرية كان جيش عراقي يوشك ان يجتاز نهر الاردن ويدخل المعركة. وأطلقت المدافع الاردنية ستة آلاف قذيفة مدفع على الأحياء اليهودية في غرب المدينة فجرحت نحوا من ألف اسرائيلي. وفي النهاية حينما اضطر الجيش الاسرائيلي الى اجتياز خطوط الهدنة في 1949 واحتلال المناطق التي هددت مواطني اسرائيل، أصبح من الواضح دون أي شك ان الحديث عن خطوة دفاع عن النفس.
لهذه التفصيلات أهمية اليوم ايضا. ففي السنين التي مرت منذ كانت حرب الايام الستة ثار في المجتمع الدولي سؤال يتعلق بأصحاب الحق في القدس. ان حقوق الشعب اليهودي التاريخية في القدس ثبتت بالانتداب البريطاني في الحقيقة لكن هذا الامر لم يعد جزءا من الخطاب في الساحة الدولية.
كان واضحا في 1967 انه في حين كان الاستيلاء الاردني على القدس مدة 19 سنة نتيجة ما عرّفه الامين العام للامم المتحدة تريغفيلي في سنة 1948 بأنه ‘عدوان مسلح’، كان دخول اسرائيل الى الاجواء الشرقية من القدس في 1967 نتيجة حرب دفاعية. وأصبح هذا التفريق واضحا كالشمس حينما فشل الاتحاد السوفييتي مرة بعد اخرى في محاولته ان يُعرف اسرائيل بأنها معتدية في حرب الايام الستة، في مجلس الامن وفي الجمعية العامة للامم المتحدة.
كان خبير القانون الامريكي العظيم ستيفن شويفل الذي أصبح بعد ذلك رئيس المحكمة الدولية في لاهاي عالما بذلك الفرق. فقد كتب في 1970 يقول: ‘حينما يكون المستولي الأول على ارض قد استولى عليها بغير موجب القانون يكون للدولة التي تستولي على الارض بعد ذلك في اطار الدفاع عن النفس القانوني، حق ملكية أقوى من حق المستولي السابق’. ولخص ان حق اسرائيل ‘في القدس كلها’ أقوى من حق الاردن. وأصبح تفسير شويفل يشبه تفسير حقوقيين ذوي شأن من معاصريه مثل الياهو لاوترفاخت من بريطانيا ويوليوس استون من استراليا.
كان من المعتاد على نحو عام مع انتهاء الحروب الحديثة حصر الجهد الدبلوماسي في اعادة الوضع الى ما كان عليه قبل الحرب. ونشأت في حال القدس مشكلة في الانفاذ الآلي لهذا المبدأ لأن المجتمع الدولي (ما عدا باكستان) لم يقبل قط طلب الاردن السيادة.
اذا احتسبنا الفشل المطلق للامم المتحدة في 1948 في الدفاع عن القدس فان مادة التدويل في خطة التقسيم لم تعد امكانية عملية برغم انه تم بحثها في الامم المتحدة في خمسينيات القرن الماضي. وأعلن رئيس الوزراء دافيد بن غوريون في الكنيست في سنة 1949 ان مواد خطة التقسيم التي تتناول القدس باطلة مُلغاة.
بعد حرب الايام الستة حينما اجتمع مجلس الامن لبحث مباديء تسوية سياسية في المستقبل كان هناك قدر ما من التجاذب، وأُثير البُعد المناطقي ولا سيما فيما يتعلق بالقدس. ولم تكن الخطوط التي سبقت حرب 1967 مقدسة ولم يتم الاعتراف بأنها حدود دولية بل خطوط هدنة فقط أعلمت المكان الذي وقفت فيه القوات المتحاربة مع انتهاء حرب التحرير. ولهذا حينما أجاز مجلس الامن القرار 242 رفض طلب الاتحاد السوفييتي، وامتنع عن دعوة اسرائيل الى الانسحاب من ‘كامل الاراضي’ التي احتلتها في الحرب. ودعا بدل ذلك الى انشاء حدود جديدة تكون ‘معترفا بها وآمنة’. ان القرار 242 فضلا عن انه لم يدعُ الى انسحاب الى خطوط 1967، لم يتناول القدس قط. وفي السادس من آذار 1980 أوضح من كان السفير الامريكي الى الامم المتحدة اثناء النقاش في القرار 242، وهو آرثر غولدبرغ، في رسالة الى أسرة تحرير صحيفة ‘نيويورك تايمز’ ان ‘القرار 242 لا يتناول القدس ألبتة وأن هذا الحذف كان متعمدا’. وتطرق غولدبرغ الى هذا الشأن في فرص كثيرة وعرض التوجه الأصلي الذي التزمت به ادارة الرئيس لندون جونسون، وأوضح غولدبرغ في رسالته قائلا: ‘لم أتطرق في أي واحدة من خطبي الى شرقي القدس باعتباره ارضا محتلة’. وأصر على ان ‘خطوط الهدنة التي قسمت القدس فقدت نفاذها’. وفهم غولدبرغ فهما عميقا جميع آثار كلامه القانونية لأنه كان يعمل قاضيا في المحكمة العليا في الولايات المتحدة قبل ان يُعين لمنصبه في الامم المتحدة.
منذ 1988 تولى الفلسطينيون اماكن الاردنيين الدبلوماسية وجهدوا لذلك على الدوام للحصول على اعتراف بمكانتهم في القدس. وبدأوا محاولات ان يُدخلوا في خطاب الامم المتحدة مصطلحات مثل ‘اراض فلسطينية محتلة منها شرقي القدس’، عن قصد الى اضعاف حقوق اسرائيل. وفي 1994 صدت ادارة كلينتون في حزم هذه المحاولات حينما فسرت السفيرة الى الامم المتحدة مادلين اولبرايت استعمال النقض الامريكي في مجلس الامن بقولها: ‘نحن نصوت اليوم معترضين على القرار لأنه يُفهم منه بالضبط ان القدس ارض فلسطينية محتلة’. وفي الجملة فان استراتيجية الدبلوماسية الفلسطينية قامت على محاولة جعل المجتمع الدولي يتبنى اصطلاحها القانوني بلا أي انتقاد، ومما يؤسف له كثيرا ان اسرائيليين كثيرين ايضا سلموا لهذه الاجراءات عن عدم علم بحقوق اسرائيل التاريخية والقانونية.
في الفترة التي أصبح فيها سلب اسرائيل شرعيتها في قلب برنامج عمل أعدائها، يجب على الدبلوماسية الاسرائيلية ان تؤكد أكثر من أي وقت مضى، الحقيقة التاريخية لما حدث قبل 45 سنة وألا تُمكّن روايات مشوهة من ان تملك موطىء قدم في الساحة الدولية.
اسرائيل اليوم 8/6/2012