انقضت سنتان على تغيّر الأنظمة بدول الربيع العربي، تونس، مصر وليبيا فالمواطن يشعر بأن لا شيء تغيّر، تغيّرت الرموز الحاكمة واتى بآخرون بصناديق الاقتراع، وكان اعتقاد المواطن ان من انتخبهم سيعملون جهدهم للحد من اهدار المال العام ويعملون لتكوين دولة مؤسسات تكون المناصب فيها وفق الكفاءات بعيدا عن الوساطة والرشوة والمحسوبية مع مبدأ تداول السلطة لينهي عصر الوراثة. و الغريب في الامر ان ينجح الاخوان المسلمون في الدول الثلاث وبالتأكيد ليس حبا فيهم بل لإعطائهم فرصة العمل وتبيان مدى التزامهم بما كانوا ينادون به ويعيبون على غيرهم عدم تحقيقه. لعل اولى الاعمال المنوطة بالسلطات الجديدة في الدول الثلاث هي السعي الى انتاج دستور يبين نوعية نظام الحكم (رئاسي او برلماني ومدد الرئاسة) ودور الدين بالحياة السياسية، في تونس لم يصدر الدستور حتى الان، اما في مصر فقد استأثر الاخوان بكتابة الدستور وابعدوا الاطراف الاخرى التي لم توافقهم الرأي ومنها منظمات المجتمع المدني وأحزاب المعارضة ولم يؤخذ بتوجسات ومخاوف الاقلية الدينية (الاقباط) وتم عرضه على الجمهور في استفتاء ونال الاغلبية المطلقة. اما في ليبيا فإن الدستور لايزال محل خلاف بخصوص الجهة التي ستقوم بإعداده فمنهم من يرى ان تشكل لجنة من المؤتمر العام وآخرون يرون ضرورة انتخاب اعضاء اللجنة من الشعب مباشرة. العامل المشترك لدى المتسلطون الجدد في الدول الثلاث هو استبعاد المحسوبين على الانظمة السابقة فقاموا بحل الاحزاب التي كانت تتولى الحكم وإيداع رموزها بالسجن دونما محاكمة، وفي ليبيا يحاول المتسلطون الجدد اصدار قانون لعزل كل من تولى مناصب قيادية طوال الاربعة عقود الماضية بغض النظر عما قاموا به من اعمال والهدف الواضح الجلي هو استئثار هؤلاء بالسلطة ومن ثم التصرف بأموال الدولة دون منافسة من احد لفترة محدودة تكون كافية (لقتل المعارضين لهم سياسيا) ولجمع اكبر كمية من الاموال ليكون مالا انتخابيا في الدورات الانتخابية المقبلة وإنتاج اناس جدد موالون لهم، وبالتالي ومع مرور الوقت يكونوا قد ثبّتوا انفسهم في السلطة وهو ما يسعون اليه. الامن في الدول الثلاث لم يستتب بعد وان بدرجات متفاوتة، في تونس هناك الكثير من اعمال العنف بسبب السلفيين الذين يحرمون الكثير من الاشياء وأفكارهم غير قابلة للنقاش وكثيرا ما وقعوا في مناكفات(جدال) مع حركة النهضة الحاكمة، ولعل اغتيال احد الزعامات كشف عن مدى عدم قدرة الحكومة على بسط نفوذها بكامل البلاد التونسية وقدرة الجهات الاخرى على الوصول الى مبتغاها بالمكان والزمان المحددين. اما في مصر فإن اعمال الشغب لا تزال تسيطر على الشارع وهناك حالة من الانفلات الامني، في ليبيا هناك تحسن ملحوظ وان شابه بعض الاعمال الفردية في هذه المنطقة او تلك وعدم قدرة الدولة على حماية بعض الرموز الامنية التي عملت بالنظام السابق ولم تكن محسوبة عليه فهي كانت تؤدي عملها بمهنية. الاقتصاد في كل من مصر وتونس مترد وارتفاع الاسعار اثقل كاهل المواطن، اما في ليبيا فان الحكومة لم تضع حدا لارتفاع الاسعار ومراقبة السلع التي تدخل من حيث الصلاحية والنوعية كما انها لم تصدر قانونا بشأن الرواتب ليتمكن المواطن من شراء احتياجاته بل اكتفت بإعطائه هبات غير مدروسة تساهم ولا شك في رفع الاسعار (التضخم) فلا يستفيد منها المواطن. لعل الامر الاكثر حاجة وإلحاحا في دول الربيع العربي وعلى الخصوص ليبيا هو اجراء مصالحة وطنية فالمدة الماضية كفيلة بتخفيف الآلام لكل من فقد عزيزا او ترك بيته تعسفا او خوفا من الانتقام بسبب اعمال مادية ليعيش منفيا بالداخل او الخارج وعندها (نجاح المصالحة) لن تكون هناك حاجة لأي سلاح شخصي او عمل بلطجي ويعود الامن والأمان الى البلد، أليس (الامن) هو ذاك المولود الذي يتمناه المواطن فلا يجب ان يطول انتظاره؟!