لماذا نعطي الفلسطينيين بادرات طيبة مقابل استعدادهم للعودة الى المفاوضات؟

حجم الخط
0

صناعة البادرات الطيبة الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين هي ذروة المفارقة التي تميز منذ سنين المعسكر الليبرالي الاسرائيلي: طلب عاجل للفهم، العطف، التسامح والتنازل تجاه الفلسطينيين وفي نفس الوقت التعالي، الوقاحة واعتبار الجيران عصبة متخلفة عاطفية منفلتة وغير عقلانية.
الامر يدل على فهم الفلسطينيين بانهم ‘مخلوق نبيل’ يجب التسليم بطبيعته، وواجب ارضاؤه، ترويضه، اقناعه كي يتفضل بالجلوس والحديث، الاستماع والتباحث. وهذا رفض للرواية التي ترى في الفلسطينيين اناسا عقلانيين، من لا يمكننا أن نتوصل معهم الى الصفقة الجيدة لمصالح الطرفين وتثبيت الرواية التي تعتبرهم هستيريين معربدين، باحثين عن الكبرياء، لا يمكن للمرء أن يعرف في كل لحظة اذا كانوا سينهضون ويقلبون الطاولة، ويتركون الغرفة، ويعملون فجأة بعنف وعليه ينبغي كل الوقت اسداء الهدايا لهم فقط مقابل بلاغ عن وصولهم الى لقاء مستقبلي ما.
كل مربية أطفال في العالم (ربما باستثناء الفلسطينية) كانت ستشعر بالصدمة، وستبلغ بالبث الحي والمباشر الاهل، عفوا، حكومة اسرائيل، بانها لا يمكنها العمل بهذه الطريقة. فالاهل الذين يدفعون (بمالهم، بملكهم، بوقتهم) للطفل فقط من أجل الا يصنع الفضائح، ويوافق على ارتداء ملابسه والا يضرب اخته الصغيرة، ويوافق على الاقل على الذهاب الى الطبيب، الى الجدة، الى الروضة يمنح ‘حق الابتزاز’ الثابت وتتقرر مواقف غير مقبولة (وغير نزيهة) من اليقظة الدائمة استعدادا لـ’النوبة’ القادمة وفقط من أجل منعها يكون مطلوبا دفع ثمن باهظ. من المثير للاهتمام أن نعرف اذا كان المؤيدون لهذه البادرات الطيبة يبدون مثل هذا الوهن في بيوتهم، أم انهم هناك بالذات قادرون على أن يرسلوا الطفل الى الغرفة بعد أن قرأوا احد الكتب الاخيرة عن ‘تعظيم صلاحيات الاهل’.
عشرات البادرات الطيبة التي نفذتها اسرائيل تجاه الشريك الفلسطيني منذ التوقيع على اتفاقات اوسلو (لم تتلق جميعها النشر العلني) صممت منظومة العلاقات الهزيلة بين دولة سيادية وكيان، في كل وقت يكون فقط الخيار الافتراضي في أن قادته ‘سيحطمون الاواني’ هو السبب في الابتزاز الدائم. فلمن توجد مصلحة في انهاء المفاوضات اذا كان يمكن الحصول على هذا القدر الكثير فقط مقابل النظر في الاستعداد لبدئها؟ ناهيك عن الثمن الدموي لسهتيريا البادرات الطيبة لاسرائيل. فهل من أجل الاستعداد للوصول الى البحث في النيابة العامة كانت الشرطة توصي حكومة اسرائيل بتقديم بادرات طيبة تجاه منظمة جريمة؟ هل من اجل الموافقة على الوصول الى اللقاء مع ضابط سلوك كانت وزارة الرفاه توصي بتقديم بادرة طيبة لزوج يضرب زوجته؟ أي رسالة بالضبط تنقل الى مواطني اسرائيل. لماذا يكون الاحتقار للقانون الاسرائيلي، عند الحديث عن العلاقات مع الفلسطينيين لا يتسرب الى الداخل؟
اسرائيل قابلة للابتزاز الدائم من جانب ‘الحاصلين على البادرات الطويبة’. ‘البادرات الطيبة’ التي توضح بانه من ناحية الدولة فان الامور العادية كالوصول الى المفاوضات، وقف البناء غير القانوني، الخدمة في الجيش، لا تنطبق على كل جماعة وهناك فقط من اجل الاستعداد للحديث يجب ان يدفع له الكثير. هذه مجرد البداية، فالفلسطينيون سيحصلون في المستقبل على البادرات الطيبة، ليس فقط من اجل الوصول الى المفاوضات بل وايضا من أجل الا يتركوا طاولة المباحثات. من استسلم للحالة النفسية السياسية هذه وكأنه يوضح بان من ناحيتنا نحن نتعامل مع فئة سكانية خاصة، منفلتة العقال، عدوانية، عاطفية المنطق الغربي لا ينطبق عليها. وهكذا فانهم يكونون حصلوا من اسرائيل على كل الاسباب التي تجعلهم يفاوضون فقط من أجل الموافقة على وجود المفاوضات. هذا ابتزاز هو نتيجة التعالي، نتيجة من يرى في ‘الاخر’ من ينبغي ارضاؤه كي يتنازل.

معاريف 31/7/2013

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية