لماذا نكره اوروبا؟

حجم الخط
0

أدار بريمورشعرت للحظة مثل سيد قشوع. طُلب إلي أن أحاضر متحدثين عن 27 دولة عضوا في الاتحاد الاوروبي في اسرائيل. أن أتحدث عن التغطية الاعلامية لاوروبا في اسرائيل أو، بكلمات غير مغسولة، أن اوضح عدم مبالاتنا بالقارة، ومعنى الاحتقار الذي نوليها إياه وحقيقة ان فريقا منا يكرهونها حقا.

من المؤكد ان قشوع كان يكتب أنه أُرسل لبيع الجليد للاسكيمو. فمن الواضح ان جميع اولئك المتحدثين الذين عملهم ان ينبشوا الصحف المحلية، لهم منذ زمن شهادات دكتوراه في هذا الموضوع. ووزنت في نفسي أن أتخلى لكنني تذكرت آنئذ أنه في نهاية كل تساؤل وجودي ينشر قشوع عمودا صحافيا اسبوعيا فاخرا. وهكذا وجدت نفسي رغم ادعائي التواضع أُبين شيئا كالتالي:

اولا، يصعب ان نهضم المشروع المميز المسمى ‘الاتحاد الاوروبي’. فكيف مثلا نفسر الفروق بين ‘الولايات المتحدة الاوروبية’ وذاك المؤيد لـ’اتحاد اوروبي للأمم’؛ وما هي الفروق بين مجلس اوروبا والمجلس الاوروبي والبرلمان الاوروبي؛ وكيف نميز الفروق الفارقة بين مصطلحات مثل ‘اوروبا في هندسة متغيرة’، و’اوروبا بعدة سرعات’. تبرهن استطلاعات الرأي على ان الاوروبيين أنفسهم غير عالمين بأكثر الجوانب أساسية التي تتصل بعملية الاتحاد والتي تؤثر في حياتهم تأثيرا حادا.

وثانيا، شك الاسرائيليين في اوروبا يتصل بالصراع الذي يمارسونه في الشرق الاوسط: فالدول القومية المستقلة بل التي يعادي بعضها بعضا، هي في نظرهم أمر طبيعي ومنطقي. ويُرى طراز اوروبا الاتحادية فوق القومية، في المقابل، بأنه مثالية غير واقعية، ووهم هاذين. وحقيقة ان اوروبا فشلت مرة بعد اخرى في محاولاتها التوصل الى اجماع على امور حاسمة في شأن المبادرة الفلسطينية في الامم المتحدة في المدة الاخيرة مثلا يزيد هذا التصور حدة.

وثالثا، الاسرائيليون تقلقهم مشكلات وجودية وهم أشد اهتماما من اجل ذلك بما يحدث عندهم في الداخل أكثر من اهتمامهم بما يحدث في الخارج. وقول هنري كيسنجر ان اسرائيل ليست لها سياسة خارجية بل سياسة داخلية فقط، واقعي كما كان دائما. وحتى لو أصبح التهديد الايراني (الخارجي) عندنا مشكلة داخلية واضحة فان الموقف الاوروبي الحازم كما نذكر المضاد لايران يُرى أنه شأن دولي روتيني تقريبا. واهتمام أبناء بلدنا به سيكون دائما أقل كثيرا من اهتمامهم بنضال احتجاج الخيام، والمعركة على صورة المحكمة العليا، أو الحرب عن حرية التعبير.

ورابعا، حتى لو كان باراك اوباما يُرى هنا على انه زعيم ضعيف يمكن إذلاله في مجلس النواب الامريكي، وحتى لو كانت ادارته تُرى انتقادية بل معادية فان الولايات المتحدة في آخر الامر ستبقى في نظر الاسرائيليين الحليفة الوحيدة القادرة على ان تؤدي هنا دورا حقيقيا.

لا يمكن فصل كل هذا عن التاريخ وعن تصور ان اوروبا هي قارة تمييز اليهود ومطاردتهم، وقارة المحرقة التي خانت قواها العظمى اسرائيل واحدة بعد الاخرى بريطانيا زمن الانتداب، والاتحاد السوفييتي في الخمسينيات، وفرنسا في الستينيات. واوروبا اليوم تُرى عندنا قارة تحتلها كتائب الاسلام وتريد ان تُكفر عن جرائم استعمارها بمعاقبة اسرائيل ‘الاستعمارية الجديدة’. كل هذا كان يمكن ان يتغير بالطبع. فاسرائيل في نهاية الامر تسجد للقوة وتُجلّها. بيد أنه حينما يحاول ديفيد كامرون ان يتدخل في شؤون كتلة اليورو (التي تبغضها بريطانيا)، وحينما يطلب نيكولا ساركوزي منه ردا على ذلك أن ‘يسكت’، وحينما تتحدث انجيلا ميركل ‘عن أصعب ساعات اوروبا منذ كانت الحرب العالمية’ يبدو للاسرائيليين آنذاك أنه لم يبق من الاتحاد الذي ادعى أنه سيكون ‘الشيء القادم’ سوى فزاعة ستُلقى في القريب في مزبلة التاريخ.

لكن اوروبا نهضت دائما من الازمات. والازمة الحالية تخط لها طريق النمو القادم. ويجب ان تكون هذه طريق الاتحاد السياسي الذي من غيره يكون اتحاد العملة بلا أي قدرة على البقاء. ويمكن أن يتم هذا فقط في ‘اوروبا ذات عدة سرعات’، حيث تخطو الدول القوية في المقدمة. والى أن يحدث هذا، سيظل الاسرائيليون يشمئزون من اوروبا أو على الأقل يتثاءبون في كل مرة يُذكر فيها اسمها.

هآرتس 24/11/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية