لندن ـ «القدس العربي»: في اليوم التالي للهزيمة المحرجة التي تعرض لها حامل لقب الدوري الإنكليزي الممتاز مانشستر سيتي على يد باريس سان جيرمان بنتيجة 2-4 في الجولة قبل الأخيرة لدوري أبطال أوروبا، أعلن النادي السماوي عن ثالث صفقاته الشتوية، بضم أحدث فراعنة مصر في الملاعب الأوروبية والإنكليزية عمر مرموش، في صفقة جنى من ورائها ناديه السابق آينتراخت فرانكورت الألماني ما يلامس الـ60 مليون جنيه إسترليني (أكثر من 70 مليون يورو)، كثالث أغلى صفقة أفريقية في سوق الانتقالات بعد انتقال الإيفواري نيكولاس بيبي من ليل إلى آرسنال في العام 2019 (80 مليون يورو)، والنيجيري فيكتور أوسيمين من نفس النادي الفرنسي إلى نابولي الإيطالي (77.5 مليون يورو)، والصفقة الأغلى عربيا على حساب الأغلى سابقا المغربي أشرف حكيمي، والأسبق الجزائري رياض محرز، ليرتفع إجمالي إنفاق السكاي بلوز في يناير/ كانون الثاني الجاري إلى ما يزيد على 121 مليون بعملة المملكة المتحدة، بعد استقطاب المدافع فيتور رييس من بالميراس البرازيلي مقابل حوالي 30 مليون جنيه استرليني، وسبقه قلب الدفاع الأوزبكي عبد القدير خوسانوف، الذي كبد الخزينة قرابة نصف قيمة الدولي المصري، في محاولة إعادة احياء مشروعه من قبل الفيلسوف الكتالوني ومن خلفه المسؤولين وأصحاب القرار، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه في النصف الثاني، بعد تدهور أوضاع الفريق بطريقة غير مسبوقة، سواء في عهد المدرب الحالي، أو منذ انتقال ملكية النادي إلى الإدارة الإماراتية الحالية أواخر العقد قبل الماضي، والسؤال الذي سنحاول الرد عليه معا: لماذا وقع اختيار غوارديولا على فتى آينتراخت فرانكفورت سابقا؟ وهل هي بلغة سوق السيارات «صفقة قيمة أمام مقابل يستحق»؟
بعيدا عن الحالة المأساوية التي يبدو عليها جُل رجال غوارديولا المخلصون في حقبته مع السيتي، باستثناء إيرلينغ براوت هالاند، الذي يحاول قدر الإمكان الحفاظ على معدل أهدافه المذهل للموسم الثالث على التوالي، فواحد من أكثر الأسباب التي جعلت بيب غوارديولا وأصحاب القرار في النادي، يوافقون على ضخ هذا المبلغ الضخم في الشاب العشريني، هو اتجاهه الصعودي الملموس على مستوى البوندسليغا، منذ أن تعاقد مع فرانكفورت في صفقة انتقال حر في صيف 2023، بعد انتهاء عقده مع فولفسبورغ في نفس العام، وكانت البداية بتوقيعه على ما مجموعه 17 هدفا بالإضافة إلى صناعة ستة أهداف من مشاركته في 41 مباراة مع الفريق في موسمه الأول، ثم جاء موعد الانفجار العظيم هذا الموسم، بسلسلة من العروض الهوليوودية في النصف الأول من الموسم الجاري، وصلت الى حد نجاحه في المساهمة في تسجيل 34 هدفا، بواقع 21 هدفا من توقيعه بالإضافة إلى 14 تمريرة حاسمة من مشاركته في 21 مباراة فقط، الأمر الذي أثار إعجاب عمالقة الدوري الإنكليزي الممتاز، بتجدد الاشاعات التي كانت تضع مستقبله في جملة مفيدة مع متصدر البريميرليغ حاليا ليفربول، كخليفة أو شريك محتمل لمواطنه وبطله المفضل محليا محمد صلاح في «الآنفيلد»، وبدرجة أقل ما أثير عن اهتمام مدرب آرسنال ميكيل آرتيتا، بالموهبة المصرية المتوهجة في الملاعب الألمانية، قبل أن يدخل المان سيتي على الخط، بالتقدم بعرض رسمي من أجل الحصول على خدمات الملك المصري الجديد، أو كما يُوصف في وسائل الإعلام البريطانية بـ«صلاح الجديد»، بعدما أثبت بشكل عملي قدرته على اللعب في أعلى مستوى تنافسي في كرة القدم الأوروبية، بتقمصه دور البطولة المطلقة في عروض فريقه المبهرة، التي جعلته يحتل الآن المرتبة الثالثة في جدول ترتيب أندية البوندسليغا، بفارق 9 نقاط عن المتصدر بايرن ميونيخ و5 نقاط فقط عن حامل اللقب الوصيف باير ليفركوزن.
وكل ما سبق، كان استكمالا لمغامرة ابن حي «المعادي» القاهري في القارة العجوز، والتي بدأت بالتزامن مع بداية الفصل الأول لأسطورة صلاح مع الريدز في العام 2017، حين قرر مغادرة نادي مسقط رأسه المغمور وادي دجلة، من أجل تحقيق حلمه الكبير، بتصدر عناوين الصحف ووكالات الأنباء العالمية في يوم من الأيام، وفعل ذلك عبر بوابة فولفسبورغ، الذي قضى معه في البداية 3 سنوات للنسيان، قبل أن يتم إرساله إلى سان باولي (الناشط في دوري القسم الثاني)، على سبيل الإعارة عام 2020، وتبعها إعارة أخرى مع شتوتغارت على مستوى البوندسليغا، وبالرغم من كثرة مشاكله مع لعنة الإصابات في تجربته مع شتوتغارت، بما في ذلك الانتكاسة التي تسببت في غيابه عن منتخب بلاده في كأس الأمم الأفريقية مطلع عام 2021، إلا أن إدارة فولفسبورغ، قررت منحه الفرصة مع الفريق الأول في موسم 2022-2023، وبعد اكتفاء عمر بتسجيل 5 أهداف فقط في نهاية الموسم، رفضت الإدارة منحه عقدا جديدا، لينتهي به المطاف مع فرانكفورت، الذي فاز بالرهان في غضون 18 شهرا، من الحصول على لاعب مشكوك في مسيرته بدون مقابل، إلى مشروع سوبر ستار في المستقبل القريب، أو بوصف أكثر دقة، من لاعب بقيمة سوقية رمزية إلى لاعب من الطراز العالمي تُقدر قيمته بنحو 60 مليون إسترليني، ومع استمرار نسقه التصاعدي تحت قيادة مدرب بقيمة بيب غوارديولا ومع فريق بحجم مانشستر سيتي، حتما ستتضاعف قيمته السوقية على المدى المتوسط، وهذا من المفترض أن يكون المتوقع والمحتمل، نظرا لتوقيت انتقاله الرائع إلى السكاي بلوز، حيث يتزامن مع اقترابه من الاحتفال بعيد ميلاده السادس والعشرين، في ما تعرف ببداية فترة التوهج والنضوج بالنسبة لنجوم اللعبة، مثلما نجح يورغن كلوب في خطف محمد صلاح، وهو تقريبا في نفس السن، حين اشترى عقده من ذئاب روما مقابل 30 لـ35 مليون جنيه إسترليني في صيف العام 2017، وبعدها أصبح كل شيء تاريخا، وهذا ما يتمناه بيب غوارديولا وينتظره من مرموش منذ مباراته الأولى بقميص النادي.
مستر جوكر
سبب آخر، جعل غوارديولا يراهن على أول مصري يُشرف على تدريبه، هو حاجة السيتي للاعب بنفس مواصفات وطاقة مرموش، كلاعب بلغة المعلقين والمدربين «جوكر» أو «متعدد الاستخدام» في الثلث الأخير من الملعب بوجه عام، وفي مركزه المفضل كجناح أيسر مهاجم على وجه الخصوص، وكما يعرف عالم كرة القدم، أن الفريق يُعاني بشدة من نقص الإبداع والابتكار والجودة والحلول وقل ما شئت في هذا السياق في هذه الجهة، تارة من وصول الدولي الإنكليزي جاك غريليش، إلى أسوأ حالاته على الإطلاق في مسيرته الاحترافية، وتارة أخرى من إخفاق البلجيكي جيريمي دوكو، من تقديم أوراق اعتماده، كلاعب بالمواصفات المطلوبة للعب في فريق يقوده فنيا عبقري اللعبة في القرن الجديد، وهذا يرجع في المقام الأول، لأرقامه الخجولة أمام المرمى، مقارنة بالمجهود الكبير الذي يبذله، لإهدار طاقته في مراوغة المنافسين في مناطق بلا قيمة أو أهمية في الملعب، وهي نفس الإشكالية التي يعاني منها الوافد الجديد الآخر سافينيو، هو أيضا ما زال بحاجة لمزيد من الوقت، لتحسين لمسته وقرارته في اللمسة الأخيرة وقبل الأخيرة، ما يعني، أنه في حال سارت الأمور كما يخطط لها مرموش وبيب، سيكون الفريق قد وجد ضالته في هذا المركز، بالحصول على القوة الضاربة المطلوبة في هذا التوقيت الحساس بالنسبة للفريق، الذي يبحث عن معجزة لتجنب الخروج المبكر من دوري أبطال أوروبا، والعودة لمكانه الطبيعي بالقرب من صدارة الدوري الإنكليزي الممتاز، وذلك بعد وصول أغلب المؤثرين في وسط الملعب والثلث الأخير من الملعب، إلى أسوأ حالاتهم الفنية والبدنية، والحديث عن رجال الأمس القريب أمثال الأشقر البلجيكي كيفن دي بروين، الذي فقد الكثير من معدلاته البدنية، ومعها فقد بريقه وسحره داخل الملعب، وبالمثل لا يقدم برناردو سيلفا وفل فودن المطلوب منهما في الهجوم، إما بأخذ المبادرة الفردية أو صنع الفارق بواحدة من اللمحات الفردية المحفورة في الأذهان عن الاثنين، كواحد من أبرز الأسباب التي ساهمت في تدهور أوضاع السيتي هذا الموسم، وجعلت هجومه يبدو أقل فاعلية وإيجابية، مقارنة بالصورة المرعبة التي كان عليها في آخر موسمين، حين كان باعتراف عدو الأمس غاري نيفل «فريقا لا يعطي فرصة للمنافسين»، في إشارة إلى القوة المفرطة التي كان عليها الفريق، عندما كان يتفنن في الإجهاز على خصومه بأكبر عدد من الأهداف من أقل عدد ممكن من الفرص وأنصاف الفرص.
الشاهد، أن غوارديولا تعاقد مع مرموش، لإحياء المنافسة في الثلث الأخير من الملعب، وبالنظر إلى الأسماء المتاحة في الميركاتو، كان من الصعب، أن يجد خيارات أخرى، سواء بنفس القيمة أو الطموحات أو الاتجاه الصعودي في هذا التوقيت، يكفي أنه بلغة الأرقام والإحصائيات، تسلح باللاعب الأفضل والأكثر إثارة في الدوري الألماني في النصف الأول من الموسم، مع الكثير من المواصفات التي يتشارك فيها مع مواطنه صلاح، أبرزها بعيدا عن الجنسية، السرعة الجنونية في آخر 30 مترا في الملعب، والتطور الملموس في إنهاء الهجمات، ناهيك عن مرونته من خلال قدرته على اللعب في أكثر من مركز بنفس الجودة والكفاءة، كواحد من القلائل، الذين يجيدون المراوغة بنفس الأريحية على الجانبين، مع قدرات خاصة في المواجهات المباشرة والانطلاق بسرعة البرق من العمق، ما يجعله مؤهلا للعب كمهاجم ثان بجوار إيرلينغ هالاند، أو لاعب وسط مهاجم، في أوقات الطوارئ أثناء غياب دي بروين، ولا ننسى أنه أجاد أيضا في مرات كثيرة سواء مع منتخب بلاده أو فريقه في مركز المهاجم الوهمي رقم (9.5)، وهو المركز الذي ابتكره بيب مع ليونيل ميسي في حقبته الذهبية مع برشلونة في الفترة بين عامي 2008 و2012، فقط يتبقى أمام صاحب الـ25 عاما، أن يبدأ مع ناديه الجديد في إنكلترا من حيث انتهى في ناديه السابق في ألمانيا، والخطوة الأولى ستكون من خلال تجاوز عقبة التكيف والانسجام على أجواء البريميرليغ المختلفة تماما عن البوندسليغا، ثم بتثبيت أقدامه في التشكيل الأساسي أو في أضعف الإيمان تهديد الأساسيين بتأثير ملموس في نتائج الفريق كلما أتحيت له الفرصة، أما غير ذلك، سيكون من الصعب التشكيك في جودة وقيمة صفقة مرموش، كلاعب أسهمه مرشحة بقوة للارتفاع بسرعة الصاروخ على المدى القريب والمتوسط، فهل يا ترى سيعطي الإضافة التي يحلم بها غوارديولا في النصف الثاني من الموسم؟ وبالتبعية يعطي مؤشرات أنه عازم على كتابة أسطورة مصرية جديدة في الملاعب الإنكليزية بعد بطله ومواطنه محمد صلاح؟
نتمنى لمرموش كل التوفيق.