لماذا يتبارى اليساريون في تجميل حكم العسكر؟

حجم الخط
1

لماذا يتبارى اليساريون والليبراليون والقوميون والناصريون في تجميل صورة الحكم العسكري الجديد في مصر، والغزل بجنرالات الجيش ويلقون بكل قيم الحرية والديمقراطية التي تغنوا بها طويلا وراء ظهورهم في طرفة عين وكأنهم مصابون برهاب عودة الإخوان إلى الحكم، أو كأنهم استيقظوا من كابوس لا يريدون أن يناموا حتى خشية أن يروه ثانية!
ولم هذا التسامح السخي، لا بل والشد على أيدي العسكر، الذين أعادوا إلى المشهد ممارسات القمع والتسجين والتقتيل، ما دامت ترتكب بحق الإخوان وحدهم؟ وكأنهم أمنوا حكم العسكر، ولا يخشون أن ينقلب السحر على الساحر، ويلحقهم الدور لينالوا نصيبهم من التنكيل والتسجين؟ هل أصبحت النخب السياسية أسيرة النظرة الأحادية، وعاجزة عن استيعاب الآخر الذي هو شريكها في الوطن، في أضعف الأحوال؟ أم أن فكر التهميش والإقصاء أصبحت عقيدة سياسية متمكنة لدى هذه النخب؟ وهل أصبحت الذاكرة السياسية قصيرة، لدرجة أننا نسينا تغوّل الحكم العسكري، وسياسات الامتهان والاستعلاء والتهميش ومصادرة الحقوق التي طالت كل مكونات المجتمع؟ ألا يقوي هذا الموقف القناعة بأن هناك عداء مضمرا للدين لدى هذه النخب، وأن إفراد فصيل سياسي ديني بهذه الكراهية الجارفة، يقود إلى فرز متسارع داخل صفوف المجتمع، إلى ديني ولا ديني، أو إلى معسكري كفر وإيمان؟ وفي مجتمع متدين بفطرته وغالبيته، فلن تبقى هذه النخب السياسية طويلا تحت حراسة العسكر، بل لن يصمد العسكر أنفسهم طويلا أمام هذا الامتحان القاسي، لأن حكم الجنرالات قد أصبح خارج دائرة التاريخ، ولا يمكن إعادة إنتاجه كما تظن النخب، ومحاولة الالتفاف حول الإرادة الشعبية، تحت الحماية العسكرية، لن تغير في الوعي الجماهيري شيئا!
الخطيئة الأزلية لهذه النخب الساسية، أنها ظنت نفسها بديلا للإرادة الشعبية، ولا زالت تعرض بضاعتها الفكرية الكاسدة كبديل للدين الذي يمثله الإخوان، والذين جاءت بهم الديمقراطية الجديدة، عبر صناديق الانتخاب، فاستأثروا بما كانت تظنه هذه النخب حقا تاريخيا لها، والمحصلة، أنها ارتدّت على الديمقراطية وعلى الصناديق، وقررت أن تسند عرجها على كتف العسكر حتى تستمر في السير، بدلا من تصحيح هذا العرج المزمن!
التهويش الإعلامي ومنابر الخطابة لا تصنع مصير الشعوب، فهذه الخدعة والتي مارسها العسكر أنفسهم، انكشفت عبر سلسلة قاسية من الهزائم، وسنوات عجاف طويلة! وسياسة الإنكار وإدارة الظهر، للملايين المعتصمة بالميادين لن تصمد طويلا في وجه الزحف الجماهيري! وتقاذف كرة الاتهامات لا بل حتى إلصاق التهم وتزييفها أسلحة كليلة، سرعان ما ستفقد فاعليتها!
من الغريب أن ترحب هذه النخب بصداقات الدول النفطية، التي كالت لها التهم ووصمتها بالرجعية والتواطؤ على المشروع القومي، وفي الوقت ذاته تكيل التهم للثورة السورية واصفة إياها بالمؤامرة على الجيش السوري، ومصدرة مذكرة براءة لبشار الأسد! وفي هرولتها لنصرة الجيش تناست موقف الدول صاحبة الصدقة من نظام الأسد! وأن مطلبها التالي سيكون بلا شك دعم الثورة السورية، في استنساخ سيكون فاضحا لموقف الرئيس مرسي نفسه، وحينها هل ستعي النخب لهجتها حرصا على السبوبة، أم هل ستهبّ في وجه الدول الداعمة حفاظا على مبادئها الضائعة؟
الحقيقة أن الثورات العربية لم تنه صراع الهوية داخل المجتمعات العربية، وها هو هذا الصراع يقفز إلى الميدان بعد أن خبأته الأنظمة الشمولية تحت عباءاتها طويلا، وحين سقطت اندفع من ركنه القصي إلى الواجهة! لا بل إلى المواجهة الحادة والتي سرعان ما أصبحت دموية، كما أثبتت الأحداث ولو اتسعت هذه الدائرة وخرجت من دائرة المواجهة السياسية والميادين والاعتصامات فستتحول بالضرورة إلى حرب أهلية، وضع الجيش في يدها السلاح حين صادر الديمقراطية الوليدة، وعجز عن مساندتها، لأن عقيدته الموروثة، لا تسمح له بذلك، ووجدت النخب الانتهازية فيه فرصتها للتخلص من خصم سياسي عجزت عن هزيمته جماهيريا وكسب الجولة ضدّه!
الحقيقة أن تسرع الجيش بلا داع، قد عبّد الطريق لعنف قادم، ودعم النخب السياسية له، قد صب الزيت على النار، وربما أوهمه أنه قد استعاد شعبية طالت خسارته لها، وربما أوهمه أيضا أنه ربما سيستعيد دورا تاريخيا خسره على مذبح الثورة!
لا يمكن للتاريخ أن يتوقف عند منعطف ما، ولا يمكن أن ينعطف إلى الطريق الخطأ والأكثر وعورة، ولا بد للقوى الحقيقية والأصيلة في نسيج المجتمع أن تحسم مساره في أي اتجاه، بعيدا عن حسابات النخب والأحزاب والكساد الفكري، والطبل والزمر الإعلامي، ولن يحسمها الجيش من فوهة سلاحه التي أدارها في الاتجاه الخطأ، في لحظة عشى تاريخي ربما ينقشع قريبا كما نأمل!

نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية