لماذا يجب أن تتحول مصر إلى النظام البرلماني؟

لم تستقبل الدولة المصرية، أقدم دول المشرق العربي الحديثة وأعمقها جذوراً، الرئيس محمد مرسي بترحاب. خلال العام الأول من رئاسته، كان على مرسي أن يواجه أوضاعاً أمنية قلقة، أزمة اقتصادية مالية، ومحيطاً إقليمياً غير مستقر. ولكن مشكلة مرسي الكبرى أن جهاز الدولة، أداة الرئيس وحكومته المفترضة لإمضاء السياسات ومواجهة التحديات، لم يكن يستجيب كم ينبغي لمطالب الرئيس وحكومته؛ وأصبحت مهمة الرئيس الأولى، من ثم، محاولة إصلاح جهاز الدولة وإعادة بنائه. ولكن هذه المهمة لم تنجز أبداً، وانتهت بإطاحة الرئيس وتقويض أسس النظام الدستوري المنتخب.
نظرت الدولة إلى مرسي باعتباره غريباً عليها، وبالرغم من أنه حاز موقعه في انتخابات حرة وشفافة، غير مسبوقة في تاريخ الجمهورية، لم تكن الشرعية الانتخابية كافية لأن تخضع الدولة لإرادته، تطيع أوامره، وتسلس له قيادها. هذا ابن حركة الإخوان المسلمين، الحركة التي طاردتها الدولة المصرية طوال عقود، ووضعتها في موضع العدو والخصم ومصدر التهديد.
كان حدث الثورة المصرية الكبير، ثورة 25 كانون ثاني/يناير 2011، هو الذي وفر لمرسي فرصة الترشح لانتخابات الرئاسة والفوز فيها. بدون المتغيرات التي جاءت بها الثورة، لم يكن مثل هذا الانتقال، لمرسي وللإخوان المسلمين، من الهامش إلى رأس الجمهورية، ممكناً. ولكن الثورة، ولأسباب عديدة، أطاحت نظام الحكم السابق ولم تمس جهاز الدولة؛ مما وضع مرسي في موقع الصراع مع جهاز دولته، ووضع الدولة في موقع الطارد لرئيسه.
ما فاقم العلاقة بين الرئيس المصري المنتخب وجهاز الدولة، التي كان يفترض أن يقودها للنهوض بالبلاد، هو رؤية الدولة، ورؤية الشعب، المستبطنة لمنصب الرئاسة. تعود جذور الدولة المصرية إلى أكثر من قرنين من الزمان، عندما بدأ والي مصر العثماني الطموح، محمد علي، بإقامة أجهزة دولة مصرية حديثة، مستعيناً بمستشارين فرنسيين، بعد أن قضى على طبقة المماليك ووضع نهاية لازدواجية الحكم والسلطة في 1811. ولكن الجمهورية المصرية حديثة النشأة نسبياً، وتعود إلى انقلاب تموز/يوليو 1952 وإنهاء الحكم الملكي وإعلان النظام الجمهوري في العام التالي. في مصر الخديوية والملكية، تمتع الخديوي والملك من سلالة محمد علي بسلطات هائلة، سواء في العقود السابقة على وضع المواثيق الدستورية المصرية الأولى في ستينات القرن التاسع عشر، أو بعدها، وسواء قبل دستور 1923، أو بعده. الحدود الوحيدة والفعلية لسلطات الخديوي والملك جاءت من الممثلين البريطانيين في الحقبة التالية للاحتلال في 1882. خلال الفترة التاريخية، التي تسمى أحياناً بالليبرالية، 1923 1952، وفر النظام الملكي مجالاً ملموساً للتعددية الحزبية، والانتخابات البرلمانية، وتداول الأحزاب على السلطة. ولكن صورة الفترة الليبرالية كانت أكثر سطوعاً وإثارة من الواقع الملموس؛ فطوال ثلاثة عقود من الحياة السياسية التعددية، حكمت مصر في معظم الوقت من أحزاب أقلية مرتبطة بالقصر، ولم يحكم حزب الأغلبية، حزب الوفد، إلا لسنوت قليلة؛ كما زيفت الانتخابات في أكثر من دورة انتخابية؛ وعلق الدستور لعدد من السنوات. وظل القصر الملكي، قبل استقلال مصر التعاهدي في 1936، وبعد الاستقلال، وحتى تموز/يوليو 1952، مركز القوة والسلطة السياسية الرئيسية في البلاد، لا ينافسه في القوة والتأثير إلا مقر المعتمدية، ثم السفارة، البريطانية.
في النظام الجمهوري الجديد، بعد 1953، أعطيت لرئيس الجمهورية سلطات تفوق تلك التي تمتع بها الملك. كان من الممكن، بالطبع، لعبد الناصر، زعيم الضباط الأحرار ورئيس الجمهورية بعد ذلك، أن يواجه موقفاً يشابه ذلك الذي واجهه محمد مرسي في عام رئاسته الأول. بمعنى أن عبد الناصر أطاح بالنظام الملكي ولم يمس جهاز الدولة، التي ولدت وتطورت تحت قيادة طبقة سياسية – اجتماعية، كان عبد الناصر غريباً وافداً عليها، بل أنه عمل من اللحظات الأولى لولادة النظام الجمهوري، على إطاحتها. ولكن ذلك لم يحدث، وسرعان ما استسلم جهاز الدولة لنظام الحكم الجديد، لأن عبد الناصر سيطر على الحكم باسم الجيش، ذراع الدولة نفسها الأقوى والأكثر بطشاً، ومن ولدت الدولة على أكتافه أصلاً.
اختار قادة النظام الجمهوري إلغاء التعددية السياسية، حظر الأحزاب، وإقامة نظام حكم يرتكز إلى التنظيم السياسي الواحد. ولأن التنظيم السياسي، سواء الاتحاد القومي أو الاتحاد الاشتراكي، كان هو ذاته حزب الرئيس، اكتسب موقع الرئاسة قوة إضافية. ولم يعد غريباً أن يصبح الرئيس، فعلياً كما في وعي الشعب الجمعي، ليس قائداً أعلى للجيش والمسيطر على جهاز الدولة والحكم وصاحب القرار النهائي في شؤون البلاد والحكم كافة، وحسب، بل وإلى مصدر للرزق، للمنع والعطاء، للحرية والقهر، والشخصية الأقرب إلى القداسة. بكلمة أخرى، عزز نظام الحكم الجديد من موقع الرئيس وسلطاته، الفعلية والمعنوية، إلى الدرجة التي تماهت عندها مؤسسة الدولة بالرئاسة: من يريد أن يحكم مصر فعلاً، لابد أن يصبح رئيساً لها. وضعت مصر، بالطبع، دستوراً جديداً لدولة الوحدة المصرية السورية في 1958، ليحل محل دستور الجمهورية المؤقت، الذي وضع في 1956؛ وبعد أن تولى الرئيس السادات الحكم، وضع دستوراً دائماً في 1971، ولكن أياً من النقلتين لم يغير من طبيعة موقع الرئيس وسلطاته وتصور الشعب للرئاسة.
ولأهمية الموقع ونفوذه البالغ، تحولت رئاسة الجمهورية إلى لعنة مستديمة على مصر ونظامها السياسي. ليس ثمة رئيس واحد للجمهورية، منذ لحظة ولادتها، ترك موقعه بصورة طبيعية، دستورية أو قانونية، ولا تولى رئيس مهام منصبه، بدون أن يجري مذبحة سياسية لمعارضيه المحتملين، أو لأنصار وركائز من سبقه. نظراً لأن الضباط الذين قادوا حركة يوليو/ تموز 1952 كانوا جميعاً من الضباط صغار ومتوسطي الرتبة العسكرية، ولأن هدفهم الأولي كان إصلاح النظام وليس تغييره الجذري، فقد اختاروا الجنرال محمد نجيب، أحد كبار ضباط الجيش المعروفين، ليترأس نظام المرحلة الانتقالية. خلال فترة قصيرة، اصطدم نجيب، الوطني، ليبرالي التوجه، بالضباط الأحرار في مجلس قيادة الثورة، أثناء أزمة مارس/ آذار 1954 الشهيرة، مما أدى إلى إطاحته، وإخفائه لعقدين قادمين. تولى عبد الناصر رئاسة الجمهورية بصورة رسمية منذ 1956، واستمر في الحكم حتى وفاته المفاجئة في سبتمبر/ أيلول 1970، مطيحاً في الطريق بأغلب زملائه السابقين في مجلس قيادة الثورة.
ويصعب تصور ما إن كان عبد الناصر، الذي حكم بدون أي ادعاء ديمقراطي، سيترك الحكم في انتخابات رئاسية، لو ظل حياً لفترة أطول. تولى أنور السادات رئاسة الجمهورية، وكما عاش عبد الناصر صراعاً متصلاً على السلطة طوال فترة رئاسته الطويلة، وجد السادات نفسه في مواجه عدد من المسؤولين، ممن ادعوا الوصاية على ميراث عبد الناصر، وحاولوا أن يقيدوا سلطاته وقدرته على التصرف إلى حد كبير. وليس حتى مايو/ أيار 1971 أن استطاع السادات الإطاحة بخصومه، الذين مثلوا في الحقيقة الصف الأول من كبار قادة نظام الحكم، العسكريين والأمنيين والسياسيين على السواء. بمعنى أن حركة السادات في مايو/ أيار كانت أشبه بحركة انقلاب شامل على أركان النظام الذي ترأسه.
أسس السادات لطبقة حكم ولغة وتوجهات جديدة للنظام الجمهوري، وقاد البلاد إلى مناخ انفتاح سياسي مقيد ومحدود. ولكنه سرعان ما ضاق بمعارضيه، ودفع مصر إلى مناخ بالغ التوتر والاستقطاب، ولد حادثة اغتياله في أكتوبر/ تشرين أول 1981. ولأن السادات كان قد اختار الفريق حسني مبارك نائباً للرئيس، وخليفة له، فقد تحقق انتقال سلس للسلطة هذه المرة، على اعتبار أن مبارك أصبح رئيساً بتوافق وقبول من الطبقة الحاكمة في لحظة تأزم بالغ، هدد أمن واستقرار البلاد ككل. ولكن ما أن وطد مبارك أركان حكمه، حتى بدأ في استبعاد كبار رجال النظام الذي ورثه، بما في ذلك قائد الجيش القوي المشير أبو غزالة. في النهاية، لم يترك مبارك الحكم، وبعد ثلاثين عاماً طويلة، إلا بثورة شعبية مدوية. وحتى إن افترضنا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة لعب دوراً ما في إجبار مبارك على التخلي عن الحكم، سواء بضغط فعال أو بالامتناع عن المشاركة في قمع الحركة الشعبية، فالمؤكد أن ذهاب مبارك لخيار التوريث كان السبب الأهم في الفجوة المتسعة بينه وبين المجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال السنوات الأخيرة من حكمه. التخلص من مرسي، الرئيس الخامس للجمهورية، وأول رئيس مدني منتخب، لا يحتاج سرداً ولا تذكيراً.
الرئيس، بسلطاته الواسعة، وتصور الشعب لموقع الرئاسة باعتباره تجسيد الدولة المطلق، جعل المنصب لعنة مستديمة على الجمهورية، على استقرارها، وربما حتى على بقائها. ولذا، فإن كان ثمة مخرج من لعنة رئاسة الجمهورية، فلابد أن يكون في تغيير جوهري وجذري في نظام الحكم؛ بمعنى تحويل الجمهورية المصرية إلى جمهورية برلمانية، بتجريد الرئاسة من السلطات التنفيذية وتحويلها إلى منصب سياسي رمزي، وإلى حكم مرجعي بين سلطات الدولة وأذرعها. وربما يكون النظام السياسي التركي هو الأقرب لمثل هذا التصور. بيد أن مثل هذه النقلة في نظام الجمهورية السياسي لا يمكن إنجازها، لا بلجنة العشرة من الخبراء، التي أنهت بالفعل عملها، ولا لجنة الخمسين، التي توشك أن تبدأ. مثل هذه النقلة تنجز فقط بتوافق وطني، لا يمكن تحققه في ظل المناخ الإقصائي الذي تعيشه البلاد اليوم.

‘ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية