لماذا يحاصر الغرب الشعب الفلسطيني؟
محمد خليفةلماذا يحاصر الغرب الشعب الفلسطيني؟ منذ أن فازت حركة المقاومة الإسلامية الفلسطينية حماس في الانتخابات التي أجريت مؤخراً، فيما بقي من أرض فلسطين أي في الضفة وغزة، لم يهدأ روع الغرب الأوروبي والأمريكي، بل هذا الغرب تخلي عن مسوح الديمقراطية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها ليل نهار في محافله ويعظ بها شعوب العالم الثالث، وقرر معاقبة الشعب الفلسطيني وحصاره، فأعلنت المفوضية الأوروبية تعليق المساعدات الأوروبية للحكومة الفلسطينية، وقررت الولايات المتحدة قطع المساعدات عن هذه الحكومة، وزادت علي ذلك بأن أصدر الكونجرس الأمريكي قرراً يقضي بفرض عقوبات علي أي أمريكي سواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً يتعامل مع حكومة حماس، ويدعي الغرب أن إجراءاته هذه ضد حكومة حماس تنبع من كون الحركة ترفض الاعتراف بإسرائيل وترفض التفاوض معها، وهو يتعامي عن حقيقة أن الشعب الفلسطيني هو الذي اختار هذه الحركة لقيادة نضاله في المرحلة المقبلة، وبالتالي فإن حكومة حماس تعبر عن ضمير هذا الشعب وليست حكومة مفروضة علي إرادته من الخارج، وعلي الرغم من أن إجراءات الغرب موجهة في الظاهر إلي حكومة حماس، فهي في حقيقة الواقع تهدف إلي إذلال الشعب الفلسطيني ودفعه إلي اليأس وإبلاغه بأنه لن يحصل علي شيء إلا بإرادة الغرب وأنه إذا خالف هذه الإرادة فإنه لا أمل له في الحياة لأن الحصار والتجويع سوف يلاحقانه أبد الدهر، وهذه الرسالة ليست موجهة إلي شعب الفلسطيني فقط، بل إلي جميع الشعوب الباحثة عن الحرية والاستقلال في العالم الثالث، فأي شعب مقهور يختار قيادة له لا تنسجم مع توجهات الغرب في السيطرة والاستغلال، فإن هذا الشعب يتعرض للحصار والتجويع، فمثلاً يحاصر الغرب زيمبابوي وهي دولة افريقية فقيرة، فقط لأن شعبها اختار رئيساً معادياً للغرب وهو الرئيس روبرت موغابي، وما حصل للعراق خير دليل علي نوايا الغرب العدوانية تجاه الشعوب المقهورة، فقد حوصر العراق ثلاث عشرة سنة لأن قيادته كانت تعادي الغرب وتعادي إسرائيل، وقتل في سنوات الحصار نحو مليوني عراقي نتيجة نقص الأدوية والمواد الغذائية المختلفة، وتخربت البنية التحتية في العراق وتخلف الاقتصاد العراقي وهجر العراقيون وطنهم وتحولوا إلي لاجئين في جميع بقاع الدنيا، وختم الغرب حصاره بحرب عدوانية أتت علي ما بقي من شيء اسمه الوطن العراقي، ويسعي الغرب الآن إلي إدخال الأراضي الفلسطينية في نفس النفق الذي أدخل فيه العراق طالما أن الفلسطينيين يعارضون إرادته، لكن إذا كانت سياسة الحصار والتجويع قد نجحت في تدمير العراق وإنهائه فهل يمكن أن تنجح هذه السياسة في أرض مدمرة أصلاً بسبب الاحتلال الإسرائيلي المباشر والمستمر عليها منذ نحو ست وثلاثين سنة، فالإنسان الفلسطيني الموجود في الضفة وغزة لا يملك سوي إرادته علي الصمود في أرضه وبيته، وهو إذا جاع أكل التراب وإذا عطــــش انتظــــر المطر حتي يهطل ولا يطلب رحمة من عدوه الصهيوني الذي احتل وطنه وأرضه واعتقل إرادتـــه وأذله بإجراءاته العنصرية وبمصادرته التي لا تنتهي للأراضي، إن هذا الشعب المكافح الذي يرفض الرحمة من إسرائيل يرفض الرحمة أيضاً من حلفائها الغربيين أعداء الإنسانية. ولم يكن الغربيون يقدمون مساعدات لهذا الشعب قبل أن تظهر السلطة الفلسطينية عام 1993، بل كان الفلسطينيون في الضفة وغزة منسيين في القاموس الغربي، لكن عندما اندلعت الانتفاضة الأولي عام 1987 وبدأ الخطر الفلسطيني يتهدد /المحبوبة/ إسرائيل، سارع الغربيون إلي إنشاء السلطة بعد اتفاق أوسلو وأرادوها سلطة منزوعة من السلطات، وبدأوا يقدمون الأموال لها من أجل دفع رواتب ذلك الجيش الكبير من الاستخبارات والعناصر الأمنية التي انحصرت مهمتها في ملاحقة المقاومين واعتقالهم ومعاونة إسرائيل علي تصفيتهم وقد اســــتشهد بسبب خيانة هذه العناصر الأمنية مئات القياديين في المنظمات الفلسطينية المجاهدة وعلي رأسهم الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبدالعزيز الرنتيسي والمجاهد الكبير يحيي عيّاش، لكن الشعب الفلسطيني انقلب علي سلطته وأوصل إلي رأس هذه السلطة حكومة من صلب المقاومة، ولم يبق أمام الغرب سوي أن يقبل بهذه الحكومة أو أن يقوم بتدميرها، كما أنشأها أول مرة، وقطعاً لا يريد الغرب تدمير السلطة، وهو لو كان يريد ذلك لكان سمح لإسرائيل عندما حاصرت الرئيس الراحل ياسر عرفات عام 2002، بأن تجهز عليها وتدمرها، لكن الغرب يفضل بقاء السلطــــة لأن ذلك لا يخدم الشعب الفلسطيني بقدر ما يخدم إســــرائيل، لكنه يريدها سلطة تعـــــمل وفق توجيهاته بحيث إذا أمرها بالتفاوض مع إسرائـــــيل حــــول الترتيبات الأمنية فعليها أن تسارع إلي التفاوض، وإذا أمرها باعتقال المناضلين من الشعب الفلسطيني فعليها أن تخضع للأمر، وهكذا فالمطلوب سلطة تخدم إسرائيل لا سلطة تسعي إلي استعادة الحقوق المغتصبة للشعب الفلسطيني، ومثل هذه السلطة لن يقبل بها الفلسطينيون، وإذا أُجبرت حكومة حماس علي الاستقالة فعلي الغرب أن يتوقع أن تأتي حكومة جديدة أشد من حماس وأكثر منها كرهاً لإسرائيل.ہ كاتب من الإمارات[email protected]://www.mohammedkhalifa.com8