بني غانتس، هكذا ظهر من أقوال اييلت شكيد في مؤتمر إسرائيل للديمقراطية، هو يبني على اليسار المقنع على شكل يمين. ولكن يمكن الافتراض أن شكيد، إحدى المفكرات التي توجد بين الفاشيين الديمقراطيين لدينا، تعرف جيداً من أعماقها أن العكس هو الصحيح، في الواقع وفي حقيقة الأمر فإن «أزرق أبيض» هو حزب يميني حقيقي، يعمل بجهد من أجل إخفاء هويته اليمينية على أمل أن يجذب أكبر قدر من أصوات اليسار.
يخطئ من يقول إن «الأيديولوجيا» الوحيدة لـ«أزرق أبيض» هي الرغبة في استبدال نتنياهو في رئاسة الحكومة. بالعكس، «أزرق أبيض» يضم في داخله نواة أيديولوجية صلبة وواضحة من أوساط «حركة وطنية رسمية» (تيلم) اليمينية لموشيه يعلون ويوعز هندل وتسفي هاوزر. حقيقة أن «المنعة لإسرائيل» لغانتس و«يوجد مستقبل» للبيد ـ اللذين ليست لهما أيديولوجيا ـ انضما بدون صعوبة إلى حزب اليمين ليعلون، تدل على أنهما وجدا من المناسب أن يستقيما مع الخط الأيديولوجي لحركة تيلم.
يعلون بلا شك هو أحد شخصيات اليمين الأيديولوجي في إسرائيل في هذه الأيام. هو تبنكي واضح (نسبة لتبنكن)، المخلص للجناح اليميني التاريخي للكيبوتس الموحد وأحدوت هعفودا، الذي أيد نظرية سلامة البلاد ودفع من أجل تطبيقها حتى قبل إقامة غوش ايمونيم. قبل انضمامه لحزب غانتس، يعلون لم يتردد في أي يوم في عرض التزامه الأيديولوجي علناً وبشكل صريح. على سبيل المثال، في مقابلة أجراها معه رفيت هيخت نشرت في ملحق «هآرتس» قبل سنة في 26/1/2018، أعرب عن أسفه لأن حزب العمل كان يشجع خلال سنوات أوسلو وفقد تماماً مميزاته اليمينية لاحدوت هعفودا. كذلك قال برضى وفخر بأنه في حركة الكيبوتسات يوجد من يقولون له أنت احدوت هعفودا. إذاً علينا ألا نخطئ، يعلون رجل معسكر أرض إسرائيل الكاملة ليس أقل من بتسلئيل سموتريتش أو نفتالي بينيت أو بنيامين نتنياهو.
مع ذلك، بين نتنياهو ومهرجي بلاطه في الليكود ورؤساء اليمين الجديد والبيت اليهودي من جهة وبين يعلون وأعضاء تيلم من الجهة الأخرى ثمة خلاف كبير لا يجب الاستخفاف به. بينيت وشكيد وسموتريتش ونتنياهو ورجاله يعتقدون أن الطريقة الأفضل لمواصلة السيطرة بدون إزعاج على الفلسطينيين هي التحريض ضد منظمات اليسار ووسائل الإعلام، وتحطيم السلطة القضائية وتحويلها إلى ذراع للمستوطنين، ومواصلة بربرية الجيش الإسرائيلي. يعلون ومؤيدوه على قناعة بأنه من أجل الحفاظ على الهيمنة اليهودية بين النهر والبحر نحن بحاجة إلى حرص زائد على سلطة القانون وعلى خطاب وحدة الشعب، والحفاظ على الصورة الأخلاقية للجيش. إلا أن الاختلاف في الآراء يمس بمسألة الوسائل، في حين أنه بين يمين بيبي واليمين الرسمي هدف مشترك واحد وهو استمرار تحقيق حلم سلامة البلاد من خلال سلب حقوق الشعب الفلسطيني القومية في تقرير المصير والسيادة في إطار دولة فلسطينية قابلة للعيش.
يطرح سؤال لماذا «أزرق أبيض» الذي يعتبر يعلون هو الصوت الأيديولوجي الواضح والنقي فيه، يسعى إلى التمويه بقدر المستطاع للمكون الأيديولوجي اليميني هذا، ويفعل كل ما في استطاعته للظهور وكأنه «حزب سلام»؟ الإجابة واضحة، إذا كان «أزرق أبيض» يرفع راية اليمين الرسمي له فمن المتوقع أن يحصل على مقاعد أقل من حزب «كلنا»؛ في المقابل، إذا استطاع «أزرق أبيض» أن يخفي زهوت اليميني مثلما فعل مؤخراً بمهنية يعلون في مؤتمر إسرائيل للديمقراطية، فإنه حسب الاستطلاعات يمكنه أن يقترب من عدد مقاعد الليكود، وربما تجاوزه. بهذا سيعزز بصورة كبيرة المعسكر المؤيد لسلامة البلاد، من خلال كسبه بالتحايل لأصوات مؤيدي تقسيم البلاد.
إذا حصل «أزرق أبيض» على عدد مقاعد مشابه لعدد مقاعد الليكود، فحينها سيستجيب للانضمام لليكود في الحكومة القادمة بشرط أن ينسحب نتنياهو من الحياة السياسية بسبب تورطه في قضايا جنائية، أو أن يكون مستعداً لارتداء ملابس الرسمية وتبني الطريق «المعتدلة» لـ«أزرق أبيض» ومواصلة القمع والأبرتهايد. ومهما كان الأمر، يبدو أنه في الليكود يوجد ما يكفي من القوى التي تميل كما يبدو إلى الرؤيا اليمينية ـ الاستيطانية (مثل جدعون ساعر)، الذين سيكونوا مسرورين بالانضمام لغانتس من أجل تشكيل حكومة يمينية رسمية مستقرة، تواصل بشكل سلس دفن أي احتمالية للمصالحة الجغرافية مع الفلسطينيين.
يطرح سؤال هل من يؤيدون تقسيم البلاد الذين ينوون أن يعطوا هذا الأسبوع أصواتهم لأزرق أبيض لا يشعرون بحجم الخديعة الكبيرة التي سيسمحون بها بتصويتهم. ربما كان بالإمكان أن نتفهم رغم أنفنا (بدون الموافقة) مؤيدي ميرتس الذين في انتخابات 2009 قرروا تأييد كديما، وفي انتخابات 2015 صوتوا للمعسكر الصهيوني ـ حيث إنه في كل حزب من هذين الحزبين فإن تسيبي لفني هي التي كانت تعطي النغمة، فهي المتحدثة الواضحة لموقف حل الدولتين. ولكن «أزرق أبيض» حزب يميني تماماً، الذي مع كل القصف الايديولوجي الذي يحاول القيام به من أجل سرقة مقاعد اليسار إلا أنه غير قادر على نطق عبارة «دولتين».
صحيح أنه سيكون من المريح أكثر العيش في دولة تقودها حكومة مع يعلون وغانتس وساعر بدون شكيد وبينيت وسموتريتش، ولكن من الواضح أن حكومة كهذه ستكون ناجعة ليس أقل من الحكومة الحالية في تعميق مشروع الاحتلال والاستيطان، وسترفع بفخر كل مبادئ الهيمنة الاثنوقومية اليهودية بين النهر والبحر، التي يرفضها رجال اليسار تماماً.
ماذا سيكون المبرر المدني لنفس رجال اليسار الذين سيرفعون هذه الحكومة إلى السلطة؟ كيف يمكنهم النظر في عيون الأطفال الذين سيكبرون على جيل آخر من التعود على سفك الدماء، لكن هذه المرة تحت راية الرسمية؟
هذه هي الدعوة النهائية والأخيرة لكل مواطني إسرائيل الذين ما زالوا يؤمنون بحلم المساواة القومية بين اليهود والفلسطينيين في إطار دولتين، ويفكرون بالتصويت بعد غد لـ«أزرق أبيض» ـ لا تؤيدوا حكومة البلقنة الرسمية. في إسرائيل حزب واحد فقط يسعى بشكل واضح إلى وضع العقلانية القومية وهو حزب ميرتس. كلما كبر الحزب سيصعب على اليمين على مختلف أطيافه أن يدفع قدماً بسياسة سلامة البلاد، التي تدفن يوماً بعد يوم احتمال أن الأجيال القادمة من الإسرائيليين ستحظى بالعيش في واقع يكون فيه فقدان حياة الإنسان ليس هو العنصر الطبيعي فيها. بضمير مدني هادئ ومن خلال الإيمان بالحياة وليس بالسيف، انتخبوا حزب ميرتس.
دمتري شومسكي
هآرتس 7/4/2019