يشعر الأوروبيون بالقلق الممزوج بالخوف، فلأول مرة تتخلى واشنطن عنهم في ظرف حساس في مواجهة روسيا، وإذا أرادت أوروبا استمرار الحرب، فعليها تحمل تسليح أوكرانيا ثم إعادة إعمارها.
لندن ـ «القدس العربي»: تعتقد واشنطن بضرورة تنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي التي استحوذت عليها روسيا في الحرب الدائرة بينهما، وتبرز مؤشرات رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخوض مفاوضات مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين حول النزاع. كل هذا يزيد من تهميش الاتحاد الأوروبي الذي سيجد نفسه أكثر وأكثر بدون بوصلة جيوسياسية ومضطرا في آخر المطاف إلى مسايرة البيت الأبيض أو البحث عن توافقات في حدها الأدنى.
ومن ضمن شروط الغرب لإنهاء الحرب هو انسحاب روسيا من جميع الأراضي الأوكرانية، على الأقل تلك التي احتلتها مع بدء اندلاع الحرب وتقديم تعويضات، في حين كانت روسيا تشدد على التفاوض حول السلام مع الولايات المتحدة وتهميش الأوروبيين. وابتداء من الأسبوع الجاري، بدأت تتضح ملامح خريطة البحث عن حل للحرب التي اندلعت رسميا يوم 24 شباط/فبراير 2022، وأنهت سنتها الثالثة. ورغم إدراك الأوروبيين والأوكرانيين بأن الدعم الأمريكي اقتصاديا وعسكريا مع دونالد ترامب سيتراجع، لكن لا أحد كان ينتظر تقديم تنازلات جوهرية تبدو أنها خسارة وانهزام الغرب أمام موسكو.
وكانت القنبلة السياسية الحقيقية هي التي انفجرت يوم الأربعاء من الأسبوع الجاري في مقر الحلف الأطلسي في بروكسل. في هذا الاجتماع الهام، أوضح البيت الأبيض أنه يرى ضرورة تنازل أوكرانيا عن جزء من أراضيها مقابل اتفاقية السلام. وأوضح وزير الدفاع الأمريكي الجديد، بيت هيغسيث في هذا الصدد أن «العودة إلى حدود أوكرانيا ما قبل عام 2014، عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها بشكل غير قانوني وأشعلت الحرب في دونباس غير واقعية وأن السعي وراء مثل هذا الهدف الوهمي لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الحرب والتسبب في المزيد من المعاناة». وفي اليوم الموالي، الخميس من الأسبوع الجاري، عاد ليؤكد أن موقف واشنطن ليس خيانة لأوكرانيا بل أن الولايات المتحدة تعتبر حليفة رئيسية لكييف، ولكن يجب البحث عن السلام. علاوة على ذلك، استبعد امكانية انضمام أوكرانيا إلى منظمة شمال الحلف الأطلسي، علما أن عملية الانضمام هي من الأسباب الرئيسية التي فجرت الحرب. واعتبرت جريدة «لوموند» في افتتاحيتها السبت من الأسبوع الجاري أن التصرف الأوكراني غير مفهوم نهائيا، لاسيما بعد مطالبة أوكرانيا بالتراجع عن المطالبة بأراضيها وعدم الانضمام إلى الحلف الأطلسي.
ويوم الجمعة، وخلال اجتماع نائب الرئيس الأمريكي فانس مع الأوكرانيين في قمة ميونيخ للأمن، كان واضحا موقف واشنطن وأخبر الوفد، وفق الصحافة الأوكرانية «نحن نريد أن يتوقف القتل، ولكننا نريد سلامًا قويًا ودائمًا، وليس سلامًا يؤدي إلى صراع في أوروبا الشرقية بعد بضع سنوات».
وما فاقم قلق الأوروبيين والأوكرانيين هي المباحثات الهاتفية التي أجراها الرئيس دونالد ترامب مع نظيره الروسي خلال الأسبوع الجاري، وانتهت إلى الاتفاق على مفاوضات من أجل وقف الحرب في أوكرانيا ولو بدون حضور ممثلين عن أوكرانيا والأوروبيين.
ويعتبر الموقف الأمريكي منعطفا حقيقيا في العلاقة مع روسيا، ومن أبرز ما يترتب عن الوضع الجديد ما يلي:
في المقام الأول، إن الموقف الأمريكي لا يعتبر جديدا ومفاجئا بل صدر باحتشام عن عواصم أوروبية في السابق لاسيما برلين التي اعتبرت سنة 2023 أنه سيكون من الصعب استعادة كل الأراضي الأوكرانية في الوقت الراهن كشرط رئيسي لإنهاء الحرب. وعليه، هذه الأطروحة تتقاسمها العواصم الأوروبية، إلا أنها لا تريد الجهر بها خوفا من ردود فعل الرأي العام الذي سيتساءل عن جدوى دخول حرب خاسرة، وفشل باريس وبرلين في اتفاقيات مينسك سنة 2014. في المقام الثاني، موقف الرئيس ترامب ما هو إلا ترجمة للواقع العسكري المتمثل في ما كان سبق وأوضحه القائد السابق للجيوش الأمريكية الجنرال مارك ميلي سنة 2022 أنه من الصعب هزيمة روسيا في هذه الحرب. ويضاف إلى موقف الأمين العام الجديد للحلف الأطلسي مارك روت الذي ردد خل الأسبوع الجاري الموقف نفسه عندما قال إن «روسيا تنتج من الذخيرة الحربية في ثلاثة أشهر ما ينتجه الحلف الأطلسي في سنة واحدة».
في المقام الثالث، يشعر الأوروبيون بالقلق الممزوج بالخوف لأنه لأول مرة تتخلى واشنطن عنهم في ظرف حساس ودقيق في مواجهة روسيا، وأنه إذا أرادت أوروبا استمرار الحرب، فعليها تحمل تسليح أوكرانيا ثم إعادة إعمارها.
وفي المقام الرابع والأخير، موقف الرئيس دونالد ترامب هو موقف جزء من الدولة العميقة الأمريكية التي ترى ضرورة التفاهم مع دولتين رئيسيتين وهما الهند وروسيا لمحاصرة الصين التي تهدد عرش ريادة واشنطن للعالم. ومن أبرز دعاة هذا الطرح الجنرال المتقاعد مايكل فلين الذي عمل مديرا للاستخبارات العسكرية الأمريكية ثم مستشارا للرئيس ترامب في ولايته الأولى قبل استقالته لأسباب قضائية. وكان يدافع عن ضرورة اعتبار روسيا جزءا من الغرب لمحاصرة النفوذ الصيني مستقبلا. وهذا يفسر موقف ترامب الذي يميل كثيرا إلى المصالحة والحوار مع روسيا بدل المواجهة. واقتنع الحزب الجمهوري نسبيا بهذه الأطروحة، لهذا كان يعارض في فترة ولاية الديمقراطي جو بايدن إرسال شحنات الأسلحة إلى أوكرانيا.
عموما، يبدو أن كل المؤشرات التي يبرر بها ترامب ضرورة إنهاء الحرب توحي وكأنه اعتراف بالانتصار الروسي على حساب الغرب.