لماذا يرسل الغرب الأمريكي القنابل من أعالي السماء بحجة انه يريد حل المشاكل؟ الحرب والسلم في نص ولادة لادوارد بوند

حجم الخط
0

لماذا يرسل الغرب الأمريكي القنابل من أعالي السماء بحجة انه يريد حل المشاكل؟ الحرب والسلم في نص ولادة لادوارد بوند

محمد سيفلماذا يرسل الغرب الأمريكي القنابل من أعالي السماء بحجة انه يريد حل المشاكل؟ الحرب والسلم في نص ولادة لادوارد بوندنلاحظ من خلال تتبعنا للحركة المسرحية في أوربا، أن العديد من المؤلفين الغربيين انشغلوا عن موضوعة الحرب، بأشياء أخري كثيرة وكأن هذه الأخيرة لم تعد موجودة أو انتهت أو ما عادت تبيد شعوب وتلغي أوطان، وتقسم الأرض، وتستغل الاقليات، وتنهب الخيرات، وتغتصب وتعذب في السجون باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان. ولكن وعلي مر فترة ليست بالقصيرة ونحن نتتبع نتاجات الدراماتورج ادوارد بوند في مسرح الكولين الفرنسي الذي يديره الفنان المبدع آلن فرانسون، والذي يعود له الفضل في تقديم نصوص هذا المؤلف البريطاني وكأن الأول يكتب لكي يخرج الثاني. منذ العديد من السنوات، وموضوعات مسرح ادوارد بوند تدور حول مسألة الحرب، ومفاجآتها المريعة التي تخترق حياتنا طولا وعرضا يوميا. حتي وان كان موضوع آخر مسرحيتيه (كرسي وولادة) علي سبيل المثال لا تدوران بالضرورة حول الحرب، فالحرب، حاضرة، مع ذلك، في الشخصيات وتصرفاتها. والسؤال الذي يمكن طرحه علي أنفسنا أولا: لماذا هذا الموضوع بالذات مرجحا ومتفوقا دائما في أعمال هذا المؤلف ؟ والجواب ربما، أن نصوص ادوارد بوند تتكلم عن السلم من خلال الحرب. لأننا نري اليوم، العديد من البشر الذين يثورون ويحتجون ويقومون باشارات وتلميحات، قائلين : (اننا ضد الحرب)، (نحن لا نريد الحرب) والي آخره من الكلمات .. كلمات .. كلمات، مثلما يقول هاملت شكسبير، كل هذا في الحقيقة ليس بمهم، لأن الأهم هو كيف يمكننا أن نصنع السلم وجعل هؤلاء الذين يلهجون برفضهم للحرب أن يساهموا في صنعه بدلا من الحرب ؟ أليس هذا ما تريد أن تقوله نصوص ادوارد بوند حقا ؟ نعم، نعتقد، أن نصوص هذا الدراماتورج البريطاني تتكلم عن السلم وليس الحرب وان كانت تدور حوله. وعلي الرغم من ذلك، فان ادوارد بوند في جميع نصوصه تقريبا، يضع شخصياته في حالات معينة يصعب عليها عمليا الخروج منها سالمة معافاة. انها في الغالب، في صراع مع ظروف مثقلة ومرتبطة بالحرب. كما لو أنه يتخيل الحالات الأكثر تعقيد وتطرفا لشخصياته لكي يعرف ماذا ستفعل من أجل أن تخرج وتنقذ نفسها. لهذا نري الحرب شاخصة أمامنا في نصوص ادوارد بوند وليس السلم. نعم انها موجودة بسبب شيئين. الأول، ان الحرب موجودة في العالم الذي يحيط بنا من كل الجهات، والثاني، انها موجودة في داخلنا. وهذا ما يهتم به ادوارد بوند. انه يهتم بالعلاقة التي تربط بين هذين الشيئين اللذين لا نعرف كيف سيتفاعلان مع بعضهما البعض. والا ما الذي يجعل الناس أن يكونوا عدوانيين شرسين ؟ ما الذي يدفعهم للقيام بالحرب ؟ كانت الحرب بالنسبة للانسان منذ وقت ليس بالبعيد، وسيلة من وسائل الحصول والشعور بالكرامة. كانت بمثابة مكافأة له كفرد. ولكن هذا قد تغير الآن. لهذا يتمسك ادوارد بوند، بالحرب التي تحيط بنا والتي تعيش داخلنا. انه يتصرف من خلال نصوصه بالطريقة التالية: انه يضع الناس أمام وفي حالات غاية في التطرف، لكي يعرفوا ويكتشفوا أنفسهم. علي سبيل المثال: مسرحية (مقهي) تبدو كمجزرة، وهي في نفس الوقت، مكان لتناول القهوة. في حين أن في مسرحية (ولادة) مثلها مثل مسرحيات أخري، تتحدث عن مسألة الانتقال الي منزل جديد. انه، في كل مرة، يحاول أن يدخل ويزج قضية الحرب في الحياة اليومية العادية. في نصوصه يوجد دائما، الفرد، الشعب، المجتمع/ السلطة، القانون، ووسط كل هذا، هناك الأيديولوجية.الأيديولوجية، هي الثقافة، هي ذلك الذي يربط الفرد بالمجتمع، ويعطي الحق والشرعية للمجتمع لكي يقتل، ويقوم بأشياء أخري مماثلة. وهذا ما يرغم الفرد علي التعاون مع المجتمع عندما يلزمه هذا الأخير. يقول ادوارد بوند: (ان ما قمت به، واعتقد انه لم يقم به بعد أحد في المسرح، انني حذفت الأيديولوجية. وهنا فجأة، اصطدم الفرد مباشرة بما هو اجتماعي، بعد أن أصبحت الأيديولوجية غير مرئية، ولا تحتاج أن تأخذ شكل البوليس، ولكنها مع ذلك موجودة في الرأس. ولو نأخذ مثلا، علي سبيل المثال، شيئا ما عاديا جدا مثل المقهي، التي ترتكن فيها في المكان الذي نعثر فيه بشكل عادي علي ما هو أيديولوجي، وتقول: انهم يصنعون القهوة، وسيعطون منها الي جيرانهم، أو تقول: انهم يصنعون القهوة ويذبحون الناس. ان هذا يقضي علي كل ما هو أيديولوجي، ويجعله غير ممكن. ان الذي يحدث في العادة، أن لا أحد يعتقد أن عملية صنع القهوة نشاط وحشي. ولكن بامكاننا أن نأخذ مثالا متطرفا: ان جلادا يشرب قهوته بانتظار الأوامر الحكومية؛ أو معلم مدرسة رجعي متزمت يؤمن بأيديولوجية المجتمع الذي يعيش فيه جالسا في القهوة يتناول وجبة فطور الصباح. ان هذا بحد ذاته ليس بنشاط وحشي، ولكن عندما تعيشون في مجتمع وحشي، يصبح هذان النشاطان -الجلاد والمعلم المتزمت جزءا من هذه الوحشية. اذن، أنني احذف الأيديولوجية وفجأة يمكن رؤية العلاقة من وجهة نظر السلطة والعنف الوحشي. بطبيعة الحال، ان هذا يزعج الجمهور، لأنه خال من الأيديولوجية. واذا قال أحد في المسرحية: (ان ما يفعله هذا الرجل سيئ)، سيكون بلا فائدة. انني أواجه الجمهور بالتطرف الموجود في داخله. أحاول أن اكشف له بأن كل البشر هم رهائن، وأننا نأخذ أنفسنا كرهائن لأننا نريد أن نشابه ونطابق هذا الذي ينتظره منا المجتمع. اننا نريد أن نكون مطيعين لكي نكون متأكدين من حصولنا علي تسهيلات مصرفية أو قروض؛ وكي لا ننام في الشارع ونشحذ في الشوارع. اننا بحاجة لأن نكون محميين. ان الأيديولوجية نؤمن لنا الحماية، ولكن في النهاية تحطمنا. لهذا انني أدفع الأشياء في مسرحياتي نحو التطرف. وأضع الشخصيات في حالات متطرفة لأنني أريد أن اجعل المتفرج يواجه ويتصارع مع هذا التطرف.نفهم مما تقدم ومن قراءتنا ومشاهدتنا لنصوص ادوارد بوند، ان طبيعة المسرح في مجتمعاتنا المتحضرة قد تغيرت. لم يعد كما كان من قبل مكانا للأيديولوجية. في زمن الاغريق كان المسرح فضاء مقدسا، عليه وفيه كانت تقدم أيديولوجية المجتمع وتتم مساءلتها. وكذلك في مسرح شكسبير وموليير. ولكن في الوقت الحاضر، لم نعد نمتلك أيديولوجية، لأننا أصبحنا مستهلكين. والذي بقي ربما وفقا لادوارد بوند هو (الحداثة، التي تقول: ليس هنالك تحديد وتعريف، وليس هنالك قيم، وكل شيء بنفس المستوي. ولم يعد موجودا سوي القذارة التي هي نحن، والعالم المُخدر. ولكن هذا العالم في نهاية المطاف ماكر وخادع، واذا فكرنا جيدا سنكتشف أنه لا يمكن أن يستمر فكريا، لأنه غير منطقي. وفي النهاية، اذا أكدنا بأن الحقيقية غير موجودة، سنكون محتاجين لحقيقة أخري تؤكد هذا الحكم. اذن، ان الحداثة كفكرة منطقيا غير ممكنة. انها عملية، وصفقة تجارية، ولكنها ليست بحرية، انها شكل من أشكال الادمان علي المخدرات السامة). اذا تتبعنا أفكار ادوارد بوند حرفيا وألغينا الأيديولوجية تماماماذا سنفعل من الآن فصاعدا في مسرح خال من الأفكار؟ ان المقصود من كلام ادوارد بوند، هو لا توجد أيديولوجية يمكنها أن تحتكر أو تتملك المسرح. ان المسرح فضاء فارغ، وهذا بحد ذاته عنوان أهم كتاب لبيتر بروك، وما علينا الا ان نملأه بالعواطف أو بهذا الذي نطلق عليه تسمية (الفن) مثلما لدي صموئيل بيكت، ولكن (الفن) هو أيضا غير موجود. ولنفكر بخشبة مسرح مثل لوحة سوداء نستعملها لكي نعطي ونشرح درسا، مثلما فعل بريشت. ولكن المسرح ليس بصالة درس. واذا لم تعد هنالك أيديولوجية فوق خشبة المسرح، المشكلة هي كيف يمكننا أن نقص حكاية ؟ كل الحكايات لها علاقة بالأيديولوجية، بالثقافة، ومن هنا متأتية قيمتهما. اذن ما الذي تبقي علينا فعله ؟ يقول ادوارد بوند: ( أن نقص حكايات لا تنتمي الي الثقافة، أن نقص حكاية تعالج أساسا، وجوهر الانسان ذاته. وهذا شكل من أكثر أشكال القص جوهرية وقد كان الاغريق اكثر اقترابا منه. ولهذا السبب بالذات استطاعوا أن يخترعوا ما نسميه الآن المسرح). وهذا هو السؤال، مثلما يقول هاملت شكسبير؟ والا لماذا لازلنا حتي يومنا هذا نقدم (اليكترا) لسوفكليس ؟ ان الاغريق اخترعوا هذه الأشكال من أجلنا، وما علينا الا أن نحذو حذوهم، ونأخذ بهذه المسائل الجوهرية التي فرضوها علينا. وهذا نجده اليوم أكثر وضوحا وجوهرية لدي شكسبير وراسين وموليير. انها أكثر جوهرية لأنها أصبحت أسئلة اليوم. في مسرحية (ولادة) لادوارد بوند، علي سبيل المثال، يتساءل لوقا (ما هو السؤال ؟) وليس ما هو الجواب. في حين أن هاملت، يقول: (أكون أو لا أكون، حياة أو موت، هذا هو السؤال؟) وهذا ما لم يقنعنا تماما لأن السبب الوحيد الذي جعل هملت يختار الحياة علي الموت هو خوفه من مرحلة ما بعد الموت. ان (لوقا) لا يطرح نفس السؤال الذي طرحه هاملت وانما يطرح ما هو أساسي، وجذري: (ما هي الحياة الانسانية ؟ ماذا تعني ؟). نفهم من خلال هذه الأسئلة، أن الانسان كائن درامي بالأساس. لهذا يريد أن يكون صاحب حق، يريد ويبحث عن معني. والدليل علي ذلك أن الطفل بمجرد ما يبدأ عقله بالعمل، يطالب بالشرح وعن معني عن هذا وذاك الشيء. وهذا ما فعله (لوقا) هذا الطفل الذي كبر واصبح رئيسا لدورية بوليسية بعد أن نسيه أبواه وهما يستقبلان حياتهما الجديدة، في مسرحية (ولادة)، حين يقول: (أنني اعتقد بأن في هذه اللحظة المتطرفة التي نقترب فيها من الموت هناك رؤي تبرز لتعلمكم ماذا تعني الحياة). بلا شك، ان لوقا علي خطأ، ولكنه، من غير شك، له أسبابه الخاصة في تأكيد مثل هذا الشيء. ان الذهن البشري يصنع نفسه بنفسه منذ أفكار الطفولة الأولي، وهذه الأفكار الأولي لها علاقة بالتراجيديا والكوميديا في آن واحد. اننا كائنات درامية، لأننا نحن أنفسنا الذين نخلق التراجيديا. والدليل أننا نعرف جميعا، بأننا سنموت موت تراجيديا ذات يوم. ان هذا حزين، ومع ذلك بامكان هذا المصير أن لا يجعلنا، في نهاية المطاف، تراجيديين، لأن ما هو تراجيدي يكشف لنا: ماذا يعني أن تكون كائنا انسانيا ؟ مثلما يقول ادوارد بوند. وهذا مظهر، وهيئة أخري في مسرحيات ادوارد بوند. ان شخصيات هذا الدراماتورج البريطاني، في نشاط دائم لا يفضحه المؤلف وانما يترك لها حرية التصرف. أي انه يحركها في سياق وصيرورة فكرية، مثل الغذاء في جسم الانسان، عندما يصل الي المعدة، يبدأ في حركة بيولوجية يصعب ايقافها الا في الحالات الاستثنائية. وهذا بحد ذاته، منظور ومنطق اغريقي قديم، يقول: ان ما يحدث علي المسرح، هو أنتم. وأن ما تشاهدونه فوق خشبة المسرح ليس مجرد عرض، وانما المسرحية التي هي أنتم، وان هيئة المتفرج الذي يقطن فيكم لم يعد موجودا، وهذه مشكلة أخري. يقول ادوارد بوند: (لقد قمنا بخصخصة الأنا. المسيحية تقول ان الأنا، هي الروح التي تعود الي الاله. مع المسيحية ولأول مرة في التاريخ البشري تكون الأنا مخصصة. والحالة هذه، انني أفكر، أن الأنا أساسية وهي في علاقة مع العالم، انها في علاقة مع العالم مثلما معدتي التي ليس لها علاقة بي وانما في الطعام الذي في داخلها. وعندما تكونون في حالة متطرفة، وخاصة، وعندما تكونون مرغمين علي معرفة من أنتم حقيقة، عندئذ ستعثرون علي هيئة المتفرج الذي هو أنتم. لهذا السبب عندما أدفع الأشياء نحو التطرف في مسرحياتي، لكي أجعل المتفرج يعيش تطرفه الخاص. لهذا يبدأ بالتساؤل: من أنا ؟ ولا بد له من اجابة علي تساؤله. اذن، عندما ألغي الأيديولوجية، يُطرح السؤال التالي، ماذا سنضع محلها. والجواب، في رأينا، لا يوجد سوي الفضاء الفارغ الذي علي المسرحين ملؤه.تتهم كتابات ادوارد بوند بأنها كتابات لها علاقة بفرويد، وهذا في رأينا، خطأ، لأنه لا توجد أي علاقة بين نصوص هذا الدراماتورج وأفكار فرويد. فرويد مثلما تطالعنا كتبه وتجاربه يعالج مشاكل شخصية، في حين أن ادوارد بوند يهتم بالمشاكل التي تتعلق بالكائن كوجود انساني. انه لا يهتم بالشخوص المدمنة علي الخمر أو بمشاكل أخري من هذا النوع. لأنه، وبكل بساطة مسكون بمسائل أكثر عمقا خاصة عندما يتساءل في نصوصه ومن خلالها: (كيف يجب أن أتصرف لكي أكون كائنا انسانيا). ان ما يشغله هو القيام بعمل المسرح بطريقة مختلفة كليا. لأن الشيء الوحيد، بموجبه: ( الذي يمكن أن يشترك فيه جميع أنواع البشر هو العدم. ان الذهن لا يستطيع أن يتخيل العدم، علما انه موجود في داخل كل واحد منا. ان الكون ليس بعدم. ولكننا نفكر بالعدم لأننا نقول: يوجد هنا شيء ما، واذا قمنا بنقله من مكانه، لم يعد موجودا، وفي هذه الحالة، ان للاشيء أصبح موجودا بالقوة في الكائن البشري. وهذا مهم جدا لأنه مثل محرك المعرفة). ان الخوف من العدم، وجاذبية العدم، لها علاقة بالمسرح. ومن هنا ولد الدافع، والحاجة للاكتشاف، وللفهم.هل يحتاج ادوارد بوند أن يشرح كل هذا فوق خشبة المسرح ؟ والجواب، في تقديرنا، لا، لأنه يكتفي بشيء بسيط للكشف عن كل ما يريد، خاصة وانه يتحدث عن أشياء موجودة في كل شخص. ان الجمهور ليس بمسؤول عن هذا، مثلما يقول ادوارد بوند: لأنني لم أقل له أبدا(: ان عليه أن يفعل هذا أو ذاك. بل اكتفي بخلق حالات من خلالها أقوم يسرد قصص. لم أخاطبهم بقولي : كونوا عقلاء أو فكروا وانما أقول لهم: كيف يمكنكم أن تخلقوا أفكارا. ان المخرج الفرنسي آلن فرانسون يخترع في اخراجه نصوص ادوارد بوند، شكلا جديدا لعمل المسرح. ونقصد بهذا المعني، مسرحا يطرح أسئلة جوهرية، مثل: ما هو أو ماذا يعني الكائن البشري؟ علما أننا في نهاية مسرحية (ولادة) نبقي في حيرة من أمرنا، اذ أننا نخرج من المسرحية دون أن نعرف ماذا يعني الكائن البشري؟ هل هو شيء علينا اختراعه أم انه في حالة اختراع مستمرة ؟ وهنا لا بد أن نلجأ الي العصا السحرية للمسرح، الخيال. لأنه لا أحد سوف يموت حقيقة علي خشبة المسرح. ولم يقتل أي طفل. ولا أحد انتقل الي بيت جديد. ومع ذلك، كل ما فوق المسرح حقيقة. لأن المتفرج في حضوره المسرح يدخل في علاقة مع منطق الخيال، الذي يوقع حياته في ورطة المشاركة. اذن، عندما يكون لنا شأن مع خشبة المسرح، يعني يكون لنا شأننا مع الواقع. وهذا هو الاتفاق ما بين المسرح وجمهوره. اننا نقارن ما بين الموضوعية والذاتية، وهذا خطأ، لأنهما مفهومان قريبان من بعضهما البعض. واذا كان الأمر غير ذلك، فلا يمكن أن يكون للأيديولوجية وجود، لأن هذه الأخيرة تمزج وتجمع الاثنين معا، ونحن في الحياة العادية مجبورون علي النظر بتبصر للعلاقة الموجودة بينهما. العديد من المسرحيات تنتهي مع نهاية الفصل الرابع. ولكن في مسرحية (ولادة) هناك الفصل الخامس، حيث هنا وبغرابة يستحوذ سؤال علي (لوقا) لا ينفك يكرره: ما هو السؤال؟ ما هو السؤال؟ وبمجرد ما يختفي (لوقا) فجأة، لم يعد يطرح السؤال.ويتردد السؤال نفسه بشكل متأخر ولكن بكيفية أخري. (لوقا) يطرح السؤال نفسه، ولكن هذه المرة يأخذ بعدا آخر. ان هذا بحد ذاته غاية في الصعوبة، ذلك لأننا لا نملك لغة الحديث مع أنفسنا. ولو كانت هذه المسرحية مكتوبة من قبل الاغريق، لكانت هنالك جوقة تقوم بهذه المهمة، وفي هذا السياق، ستتصرف مثلما لو أنها تضع مرهما علي جراح الحضارة. في حين أن شكسبير، سيجعل من (لوقا) شخصية سيئة علي نهج (ماكبث). لكن ماكبث يصبح، قلقا، مضطربا، شيئا فشيئا، وهو يردد: (غدا، وغدا وألف غد ..).ان هذا عظيم ورائع سماعه من فم رجل مثل (لوقا) يعيش حالة خاصة، لدرجة أننا نعتقد أن هذه الكلمات ملكه وهو بهذه الطريقة يخاطب الانسانية بأسرها. ولكن ما ان نتوغل في الحالة التي هو فيها، حتي نكتشف أن اعتقاداتنا خاطئة، لأنه هو في حاجة لهذه الكلمات التي يخاطبنا بها، أي أنها تنقصه. ان شكسبير يضع كلمات علي لسان شخصياته مصدرها ليس الشخصية وانما الأعالي. يقول ادوارد بوند: (في الواقع، لا توجد لغة للتعبير فيها عن ماهيتنا. لذلك علينا الاعتماد علي الحالات نفسها).لهذا السبب، يعرض (ادوارد بوند) الحالات بلا كلمات، وهذا بحد ذاته معقد. علي سبيل المثال، وفي الفصل الخامس من مسرحية (ولادة)، نشاهد الأم تقوم باطعام الموتي بمغرفة. السيد المسيح يقول من خلال الحواري: عندما تقومون باطعام الجماهير سمكا، عليكم أن تضعوا نصيب الموتي جانبا. ان الأم لا تفعل ذلك تيمنا بما قاله السيد المسيح، انها تفعله لأنها امرأة مجنونة، ومع ذلك فهي تطعم الموتي. وهذه طريقة من طرق تقديم الأشياء. ان علي طول هذا المشهد وفي كليته هناك عرض للامكانية الانسانية في خلق الأشياء. ما الذي يوجد بالفن يسمح لنا بالخلق ؟ لماذا لا نشن الحرب فقط ونترك السلم جانبا ؟ لماذا الغرب الأمريكي وغيره يرسل القنابل والصواريخ من أعالي السماء بحجة انه يريد حل المشاكل ؟. عندما نخرج من مسرحية (ولادة) يستحوذ علينا سؤال واحد: ما الذي في داخلنا يحتاج الي سلم ؟. مسرحي من العراق يقيم في باريسّ0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية