لماذا يريد الأمريكيون التفاوض مع إيران بشأن مستقبل العراق؟
لماذا يريد الأمريكيون التفاوض مع إيران بشأن مستقبل العراق؟واشنطن ـ من كلود صالحاني: ستكون الحرب علي العراق لسنوات طويلة مقبلة، موضع جدل بين المؤرخين والسياسيين حول ما إذا كانت عملاً صحيحاً أم خطأ. وعلي الرغم من النتائج البديهية الواضحة للحرب – أكانت إيجابية أم سلبية – فإن ثلاث سنوات فترة غير كافية للحكم عليها. لا يزال الحكم علي نتائج الحملة علي العراق مبكراً والوقت وحده كفيل بالقول ما إذا كانت تصرفات الرئيس جورج بوش مقبولة ومبررة أم أنه ارتكب خطأ سياسياً فادحاً. غير أن ما هو واضح أن الرئيس جورج بوش علي وشك اتخاذ قرار سياسي كبير لن يكون أمام المؤرخين والسياسيين الحاجة للانتظار للحكم عليه وهو دعوة إيران للتفاوض معها حول مستقبل العراق. ومثل هذا القرار يعترف بإيران كقوة أمر واقع سياسية في الشرق الأوسط ويعطي شرعية لنظام آيات الله الديني في إيران. كما انه يسير ضد المنحي السياسي الحالي الراغب في تشجيع التغيير في هذا الإطار ويقوّض جهود قوي المعارضة الإيرانية. ويرفع مثل هذا القرار مستوي النظام الإيراني إلي ما يشبه موقف بوتسدام المشاركة في تقرير مستقبل العراق علي الرغم من أن الجمهورية الإسلامية لم تلعب أي دور في تحريره من صدام حسين. وكما يشير أمير طاهري المتخصص في الشؤون الإيرانية، فإن هذه الدعوة مشابهة لدعوة الحلفاء في نهاية الحرب العالمية الثانية سويسرا أو بولونيا للتفاوض معهما بشأن تقرير مستقبل ألمانيا. وحذّر طاهري من أن دعوة إيران إلي مثل هذه المباحثات قد تكون خطأ واشنطن الكبير الأول. بالطبع سيكون هناك من سيقول إن هذه الفكرة هي خطأ من سلسلة الأخطاء المتكررة التي ارتكبتها الإدارة الحالية في شن الحرب وبالتالي في جهودها الهادفة إلي جلب السلام إلي العراق. وبدءا من المبرر الذي أعطي لشن الحرب، فإن سوء إدارة الفترة التي تلت مباشرة انتهاء العمليات العسكرية الكبري والتي أوصلت العراق إلي المرحلة الحالية التي يواجه فيها احتمال نشوب حرب أهلية، والسماح لإيران بالحصول علي موطئ قدم في العراق، تجعل من المنطقي التساؤل أين تكمن الأخطاء الأولي للإدارة الأمريكية. ومرة أخري، قد يقول المؤرخون إن الخطأ الأول ارتكبه الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة والد الرئيس الحالي، عندما اختار عدم استغلال الفرصة الأولي المناسبة للإطاحة بصدام حسين في حرب الخليج الأولي في العام 1990. وفي ذلك الوقت، كانت جميع عناصر سقوط صدام حسين متوفرة. كل ما كان يحتاجه الأمر هو المزيد من الضغوط إلي جانب اندفاع قليل من قوات التحالف. غير أنه وفي استعادة للأحداث الماضية، فمن الممكن القول إن التاريخ لم يكن منصفاً مع جورج بوش الأب، ولم يقر بحكمته ورؤيته المستقبلية. قد يكون تنبأ بماهية الفوضي التي يمكن أن تقع في العراق بمجرد الإطاحة بصدام حسين. واختار جورج بوش الأب أن يدع الأمور تسير علي ما هي عليه وسمح لصدام بالبقاء في السلطة. وبالطبع فإن إحدي النتائج المؤلمة لهذا القرار كانت مقتل نحو 200 ألف شيعي حاولوا الانتفاضة علي نظام صدام. ومرة أخري، سيحكم التاريخ علي هذا القرار. ونظراً للتاريخ الحديث وسوء معاملة الشيعة العراقيين، فمن المنطقي فهم سبب اندفاع إيران للعب دور في مستقبل العراق. وتعتبر إيران نفسها حامية للمسلمين، ومنذ العام 1979 حين أطاح آية الله روح الله الخميني بنظام الشاه وأسس الجمهورية الإسلامية، حاولت إيران ـ دون أن تنجح ـ تصدير مفهوم الثورة الإسلامية إلي دول أخري في المنطقة. ولا تزال تحاول حتي اليوم. والحرب علي العراق مع الفراغ في السلطة الذي أنتجته، سمح لإيران بتأسيس موقع نفوذ من خلال الأحزاب والميليشيات المؤيدة لها. وقرار دعوة طهران للتباحث في مستقبل العراق سيعزز من نفوذ الجمهورية الإسلامية الإيرانية في العراق. ويشير طاهري إلي أن هذا الأمر سيفتح أمام إيران ممراً إستراتيجياً تتمكن من التواصل عبره مع سورية ولبنان اللتين تعتبرهما جزءاً من مداها الحيوي . ويعتبر طاهري أنه ما أن تثبت إيران قوتها في العراق كما فعلت في سورية ولبنان فإنها ستكون قادرة علي مد نفوذها في الشرق للمرة الأولي منذ أوائل القرن السابع حين امتدت الإمبراطورية الفارسية في عهد كسري ابرويز الذي تمكن من طرد البيزنطيين من بلاد ما بين النهرين ومن الأراضي التي تعرف اليوم باسم سورية . وترغب طهران جداً برؤية التاريخ يعيد نفسه وأن يري البيزنطيون الجدد ـ الأمريكيون ـ يندحرون من بلاد ما بين النهرين. واللغز كما يقول طاهري هو لماذا تريد واشنطن إعطاء طهران موقعاً علي الطاولة الرئيسية في العراق؟ . ومرة أخري، سيكون الجواب موجوداً في كتب التاريخ. (يو بي آي)