أنطاكيا – «القدس العربي»: بعد توقف المعارك البرية على جبهات الشمال السوري مدة قصيرة، عاود النظام السوري مدعوما بالروس، فتح المعارك البرية، حيث قام باستهداف البنية التحتية والقصف المدفعي والجوي لكل مظاهر الحياة في أرياف ادلب الجنوبية الشرقية والغربية، وريف اللاذقية الشمالي، وصولاً إلى استهداف مخيمات النزوح في ريف إدلب الشمالي قرب الحدود التركية السورية .
ولم تقتصر الضربات الجوية الروسية على ارياف ادلب بل شملت مناطق «درع الفرات» الخاضعة كلياً لتركيا، حيث قصفت طائرات يرجح انها روسية منطقة ترحين التي يوجد فيها مصافي لتكرير النفط الخام بشكل بدائي.
هذا الاستهداف والتصعيد يأتي بعد تحقيق النظام مكاسب عسكرية كبيرة، بالسيطرة على مواقع جديدة في ريف ادلب الشرقي .
يقول تقي الدين عمر مدير المكتب الإعلامي في تحرير الشام إن سياسة النظام وأعوانه تعتمد على الضغط العسكري وتحقيق مكاسب ميدانية، حيث يعملون على استثمارها سياسياً، مما يوفر غطاءً جديداً لارتكاب مجازر جديدة وتصعيد آخر، «لذلك ما يحصل امر متوقع من دولة احتلال ذات تاريخ دموي، وهم بهذا التصعيد يحاولون الضغط على الأهالي الرافضين للتسويات الروسية».
ويضيف مدير المكتب الإعلامي في تحرير الشام في حديث لـ»القدس العربي» «روسيا تسعى لاحتلال كامل الأراضي السورية، ولا يقتصر طموحها للوصول إلى حد معين كما يُشاع الحديث عنه مؤخراً، وإنما يقوم بتجزئة أهدافها من باب الحرب المعنوية وتقليل ردات الفعل الشعبية وكذلك الدولية فيجعلها على مراحل، وهذا ما تنبه له الثوار و»المجاهدون»، فنحن نرفع مستوى الجاهزية العسكرية من غرف للعمليات وإنشاء للتحصينات والدفاعات كالخنادق والأنفاق وخطوط الرباط، ورفع مستوى الكفاءة العسكرية ووضع الخطط الدفاعية والهجومية، كما نعمل مع كافة الفصائل على حشد مختلف الطاقات في المحرر وتنظيمها و توظيفها في موضعها المناسب».
ويؤكد عمر، ان حملة النظام ضد إدلب لم تتوقف لكي تبدأ «ولا يكاد يمر يوم إلا وينعى أهلنا في المحرر أطفالهم وأقرباءهم الذين قضوا بقصف هذا النظام، إلا أن وتيرة العمليات العسكرية تختلف من وقت إلى آخر، ويعود سبب ذلك إلى استنزاف قوات العدو على الجبهات، فيضطر النظام إلى خفض وتيرة العمل العسكري لكسب الوقت والعمل على إيجاد ذرائع واهية للتصعيد ليكسب غطاءً دولياً وسياسياًلمجازره».
ونفى العمر ان تكون «تحرير الشام» على علم بما يقال ان هناك صفقة بين تركيا وروسيا تقضي بتسليم المعارضة للطرق M4 وM5 إلى النظام، معتبراً ان كل ما يتم تداوله هو عبارة عن إشاعات ليس لها وجود ابداً.
ويقول القيادي المقرب من الجهاديين قحطان الدمشقي ان النظام تمكن مؤخراً من السيطرة على 5 قرى بريف ادلب الجنوبي الشرقي على محور التمانعة – سنجار. ويضيف في حديث لـ»القدس العربي» «ان هذا التصعيد يأتي بدعم كامل من روسيا، وسط صمت الجانب التركي، الذي يعد طرفاً ضامناً ومؤثراً للفصائل المعارضة».
من جهة اخرى يرى الكاتب والباحث السوري خليل مقداد ان التصعيد في الشمال يدخل في إطار سياسة استكمال مخطط إعادة ما تبقى من أجزاء محررة لحظيرة النظام، بالتوازي مع ارتفاع وتيرة القصف ومحاولات التقدم على الأرض. وقال لـ «القدس العربي» ان استهداف مناطق درع الفرات يأتي في إطار تجفيف ما تبقى من موارد وحصر عمليات انتاج وسرقة النفط بيد «قسد» التي ازدهرت تجارتها مع مناطق النظام، لتشمل المحاصيل الزراعية والمنتجات التركية إضافة للنفط». معتقداً أنه لا يمكن التعويل على موقف تركيا، لأن صورة المشهد واضحة من خلال التنسيق التركي الروسي، فتركيا حسب مقداد يهمها تأمين حدودها ضد خطر الإنفصاليين الكرد، وبالتالي مواقفها تنسجم مع كل من أمريكا وروسيا وكذلك نظام الأسد، حيث صرح جاووش أوغلو «أن الطرق الدولية مع مناطق النظام ستفتح قبل نهاية العام الحالي.
ويذهب القيادي في الجيش الحر النقيب عبد السلام عبد الرزاق إلى أن «من قام باستهداف خزانات الوقود قرب مدينة الباب هي روسيا، وذلك لمنع وصول المحروقات للمناطق المحررة في ادلب من جهة، وللضغط على «قسد»، لتكون بشكل كامل ضمن الميليشيات التابعه لروسيا والنظام». واكد في حديث لـ»القدس العربي» ان روسيا تريد ان تكسب عسكريا في سوريا، وتدعي انها متمسكة بحل سياسي .
ويرى الصحافي الميداني مهند درويش ان استهداف مواقع (تكرير بترول بدائية) في مناطق درع الفرات، تطور خطير غير متوقع، حيث تشير سياسة روسيا الميدانية في الآونة الأخيرة إلى نيتها لحسم الملف السوري بشكل كامل عسكرياً مع منح بعض التنازلات السياسية عبر ملف اللجنة الدستورية» في جنيف. وحسب درويش قد يكون مبرر الروس لإقناع الأتراك بالضربات، هو نوعية الضربات التي استهدفت مواقع لتكرير النفط بشكل بدائي، والغالب ان روسيا ادعت ان تلك المناطق تعمل على تزويد مناطق إدلب بالمحروقات وان جزءاً من تلك المحروقات يصل إلى تنظيمات مصنفة دولياً على أنها إرهابية.
من جهة اخرى يذهب الناشط الإعلامي خالد الشامي إلى ان روسيا تمكنت من الاستفراد بالورقة السورية بشكل كامل، وجعلت تركيا خارج اللعبة «او يمكن القول ان تركيا اصبحت متماهية مع روسيا بما يخص الشآن السوري».
ويقول الناشط في حديث لـ»القدس العربي»: «تركيا لم يعد يهمها الوضع السوري، بعد أن ضمنت روسيا لها أن حدودها محمية من خلال سيطرة النظام السوري عليها، وازاحة الاحزاب الكردية التي تعتبرها أنقرة إرهابية، كما ان روسيا استطاعت ان تكسب ثقة الاتراك أكثر من الغرب بما يخص المسألة الكردية، فهي تريد إزاحة الأكراد من الحدود لصالح النظام مع إعطائهم بعض المكاسب وازاحتهم من حدود تركيا واحلال قوات النظام مكانهم أمر ترغب به أنقرة». معتبراً ان اكبر الخاسرين ازاء التفاهم التركي الروسي بسوريا هم فصائل المعارضة التي تخلت عنها تركيا واستخدمتها لصالحها دون مقابل.