لماذا يسمي الجنوب جنوبا؟
علي جعـفـر العـلاقلماذا يسمي الجنوب جنوبا؟أينَ تمضي المياهُ بهذا الدمِ المرِّ ؟ أغنيةٌ من دمِ النائحينَ علي صفحةِ الكونِ: شمسٌ مفكَّكَةٌ، والفجيعةُ تجمعُها قطعةً، قطعةً، أينَ تمضي المياهُ؟خرابٌ يسيلُ علي قارتينِ .. بعثنا مع الماءِ أسمالَنا، وأناشيدَنا الميِّتةْ، ورأينا النَّهارَ كسيراً يُصلّي علي جمرةِ الماءِ، يتركُ للرِّيحِ وردتَهُ الباهتةْ .. هل شَممنا دماً قانياً في العناقيدِ؟ قانا نشيدٌ من الطِّينِ، حيثُ الحضارةُ ليلٌ يهبُّ من الكهفِ، يُمسِكُ للذِّئبِ نرجسةَ الماءِ، قانا :أتينا معاً حافيَيْنِ، نشيدُ الترابِ يعذِّبُ وردةَ أقدامِنا، حيثُ شمسُ الفراتِ اليتيمةُ تتركُ لليلِ حنَّاءَها، والمياهُ إلي أوّلِ الليلِ تمضي .. انكسرنا معاً مثل شمسينِ من ذَهبِ اللهِ فوقَ المآذنِ، يا ذهبَ اللهِ: من حجرينِ قديمينِ يندلعُ الغيمُ، والماءُ يلبسُ حلَّتَهُ، ويصيرُ الجنوبُ جنوباً، ملائكةُ الله تبنيِهِ من ذَهبٍ دافئ، وعذابْ ثمَّ تتركُهُ ضائعاً يتوهَّجُ ما بينَ عشبتهِ وأفاعي الترابْ .. ألِكُلِّ جنوبٍ أُلوهتُهُ أم خطيئتُهُ الداميةْ؟ ألِكُلِّ جنوبٍ ينابيعُهُ، أم جهنَّمُهُ الحامِيةْ؟ فلماذا يُسمَّي الجنوبُ جنوباً ؟ قرارةُ كأسِ الخليقةِ، آدمُها، النادمُ، الغائمُ، المنتشي بحماقَةِ حوّاءَ، آدمُها المبتلي بمخالبِ قابيلَ .. كيفَ استحالَ الجنوبُ جنوباً؟ خميرةُ أحزانِ هذا الوجودِ، نَمَتْ عندَ حدِّ المياهِ الكسيرةِ، فاضَ بها حزنُها المرُّ، فاندلعتْ في ظلامِ الحصي، وسَرَتْ جمرةً، تتوهّجُ، نائحةً، في ثيابِ الهواءْ فهيَ الكونُ مزدهراً بين موتينِ : قانا هنا، وهنالكَ، ملءُ المدي، كربلاءْ .. إنّه عصرنا الدمويُّ: دمٌ عالقٌ باللغةْ، ودمٌ عالقٌ بالنوايا، دمٌ فائحٌ من ترابِ الضحيّةِ، أو يتصبّبُ من نجمةِ القاتلينْ. إنّهُ عصرُنا الدمويُّ: دمٌ عاصفٌ، ودمٌ من نعاسٍ وطينْ .. دمُ قانا بخورُ البدايةِ، حيثُ الخليقةُ تبدأُ من بركةِ الدمِ لا بركةِ الماءِ، نبدأُ من دمِ قانا: ننادي طيورَ الجحيمِ تهبُّ علي دمِنا الرخوِ، أيّامُنا حجرٌ نائمٌ، كيفَ يوقظنا الجرحُ؟ كنّا نربّي طيورَ الهوانِ، ونطلقُها ملءَ أرواحنا، سوف نبدأُ حتّي يفيضَ الجنوبُ علي الكونِ، نبدأُ من دمِ قانا إذَنْ، من خرابٍ ثريٍّ يسيلُ علي قارتين، وليلٍ يُسمّي .. وطنْ أينَ تمضي المياهُ؟ إلي أينَ يمضي الدمُ العذبُ؟ قانا دمٌ فائحٌ من ترابِ الأغاني المريرةِ، من دِغْلِ أيّامنا، من رمادِ الخليقةِ: تخضرُّ ما بينَ موتينِ، فاضَ بها حزنها ومواهبها، اندفعتْ شرقَ أيّامنا، اتّجهتْ غربَ أحلامنا، أومَأتْ لشمالِ القلوبْ الجنوبُ،الجنوبُ، الجنوبْ، جهةٌ للجهاتِ جميعاً : لكلِّ شمالٍ يُعذّبُ، للشرقِ يقتصُّ من قاتليِهِ، وللغربِ يكتبُ أيّامَنا برمادِ الحروبْ الجنوبُالجنوبُ الجنوبْ شاعر من العراق0