بعد ردود الفعل العارمة على خطاب الرئيس محمد مرسي، وكمية الحقد الأسود والشتائم المتبادلة والسموم المنفوثة هنا وهناك التي قرأتها اليوم على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وبعد هذا التغول من قبل البعض تجاه رئيسهم ومطالبتهم بإقصائه وتنحيته مع أنه رئيس منتخب، ومع أنه لم يرتكب عملا مشينا يعد خيانة لوطنه وأمته كما كان يفعل النظام السابق؛ زاد يقني بأن العقل العربي بات محتاجا بصورة ملحة لمرحلة إعادة صياغة وهيكلة كلية من جديد، وفي نظري التحليلي فإن هذه المرحلة يجب أن تستمر قرابة جيل كامل، تطرح فيها العقول العربية كل ما التصق بها من عفونة فكرية على مر الأزمان، وقد كنا نظن بأن الربيع العربي إنما تفجر حين تغيرت مفاهيم العقل العربي جملة وتفصيلا، لكن خاب ظننا خيبة إثر خيبة، فما زال من المسلم لدينا مثلا أن نستمرئ دفع مائة دولار في حفلة ماجنة لراقصة أو مغنية بدلا من خسارتها في شراء كتاب! العقل العربي باختصار يمتاز بحب الإقصاء وتحطيم الآخر، مع عدم اعترافه مطلقا بالتعددية الفكرية التي تؤمن بها بقية الشعوب، العقل العربي لا يؤمن إلا بالمصلحة الشخصية الضيقة ولو على حساب غيره، وليس عنده استعداد لقبول مبدأ الرأي والرأي الآخر، حتى الديمقرطية التي طالبت بها العقول العربية وتغنت بها لعقود، باتت مرفوضة الآن لأنها تعارضت مع المصالح والمعتقدات الخاصة، وفكرة قبول الأقلية برأي الأغلبية هي لجاجة فارغة ومحض غباء وافتراء عندها، السعى للتحطيم والتسلق على الأكتاف ورفض الآخر لم يعد محصورا في الأيدلوجيات والسياسة والسلطة عند العقل العربي، بل تعداها أيضا فبات أمرا ملموسا محسوسا في نطاق العمل والشارع والحياة العامة والصراع على الأرزاق، حتى أصبح أمرا مشاهدا حتى بين باعة الفول والبليلة المتجولين، فيا رحمة الله . مرحلة إعادة صياغة العقول وهيكلتها من جديد هو سنة ربانية، طبقها الله عزوجل حرفيا على عقول بني إسرائيل حين ضرب عليهم التيه لمدة أربعين عاما، فكانوا طوال تلك المدة والتي تقدر بجيل كامل يأكلون ويشربون ويلبسون من عند الله، ويبيتون في حماية الله ورعايته، بعيدا عن السطوة الفرعونية التي تربى عليها آباؤهم، كل ذلك حتى ينشئ عقولا جديدة غير متلبسة بعبودية فرعون والعيش في كنف ألوهيته كعقول الآباء والأجداد التي فشلت مباشرة عند أول اختبار حياتي تعرضت له … أخيرا أقول بأن معظم كتابنا تخلو مبكرين عن سياسة جلد الذات، ظانيين بعدم جدواها في إيقاظ النفوس والعقول العربية، مع إني بت متيقنا الآن بأن جلد ذواتنا وأرواحنا وتعرية مفاهيمنا القذرة هو الكافل الوحيد لذلك .م . معاذ فراج الأردن