ليس بالإمكان التعامل مع القسوة الصادمة لخطف جمال خاشقجي وقتله بأيدي قوات الأمن السعودية كأمر اعتيادي والمواصلة قدمًا. ولا يهم إلى أي درجة يحاولون بصورة غير موثوقة تمامًا عرض هذا العمل كتحقيق تشوش أو أن ذلك هو مسؤولية الجهات التي عملت على مسؤوليتها. التداعيات أكثر عمقًا من التراجيديا الشخصية لعائلة وخطيبة الخاشقجي.
هذا العمل طرح أمام الولايات المتحدة وإسرائيل مسائل جوهرية فيما يتعلق برؤيتهما الاستراتيجية الشاملة في الشرق الأوسط.
المتهكمون يدعون أن الوقاحة التي ظهرت في قتل الخاشقجي هي من النوع المميز للحكومات الاستبدادية العربية، ومن بينهم حلفاء للولايات المتحدة، ولكنها هذه المرة ببساطة أكثر وقاحة. لا أحد يقدم المعروف مجانًا في الشرق الأوسط، وتحالف الولايات المتحدة ـ السعودية صمد خلال عشرات السنين وتجاوز قمع الشعب السعودي على أيدي النظام.
جزء من الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التي بادر إليها ولي العهد محمد بن سلمان وتشجيع الأهداف الاستراتيجية المشتركة التي تستهدف كبح العدوانية في المنطقة ما زالت تخدم مصالح أمريكا. يجب عدم التعامل باستخفاف بهذه الاعتبارات. ولكن قتل الخاشقجي، إلى جانب اختراقه خطوطًا حمراء من انعدام الأخلاقية، يشير إلى أنه يجب عدم الثقة بالسعودية تحت سلطة محمد بن سلمان كشريكة استراتيجية.
ما حدث في القنصلية السعودية في اسطنبول يذكر بكلمات استخدمت في السابق لوصف كيف أن نابليون قام بتصفية خصم: «هذا أسوأ من جريمة. هذا خطأ». خطأ استراتيجي، يمكن أن نضيف. ولي العهد السعودي سبق وأظهر عدم مسؤولية واندفاع في تحديد السياسة الخارجية السعودية.
المعركة المبررة التي أدارها ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن نفذت من خلال تجاهل مطلق للمعاناة الكبيرة التي أصابت المدنيين. إجبار رئيس حكومة لبنان سعد الحريري على التنازل انفجر في وجهه.
الحصار الذي فرضته السعودية على قطر أزعج دول الخليج في التركيز على الهدف المشترك ـ كبح إيران ـ ولم يؤد تقريبًا أي فائدة. قطع العلاقة مع كندا بسبب تغريدة فيها تم توجيه انتقاد على أن السعودية اعتقلت نشطاء حقوق إنسان، كان ردًا مبالغًا فيه.
الآن، وبتعليمات من ولي العهد، نفذ فعليًا قتل فظيع في وضح النهار تمامًا. السعودية كذبت على الرئيس ترامب خلال أيام، وما زالت تكذب.
ربما لا يهم ترامب ذلك، وربما بسبب المستوى الأخلاقي المشكوك فيه لديه، وربما بسبب النشر الكبير الذي أعطاه لكل طلب للسلاح من قبل السعودية، كمصدر لخلق فرص عمل. ولكن محمد بن سلمان لم يأخذ في الحسبان أنه، بتعليماته لاغتيال الخاشقجي، قد اخترق كل الحدود المسموحة والمقبولة على الرأي العام الأمريكي والحزبين في الكونغرس.
هكذا فإن النقد الصارم والمطالبة برد كان قد جاء من السناتورات، الجمهوريين لندزي غراهام وماركو روبيو.
مرة أخرى، يمكن التعامل مع هذا بصورة تهكمية، فالقمع السعودي ليس ظاهرة جديدة. ويمكن للنظام السياسي الأمريكي التسليم به إذا بقي خارج مجال الرؤية. ربما لم يكن الاحتجاج صارخًا كما كان يجب أن يكون في حالة سجن نشيطات حقوق الإنسان في السعودية، الذي وقع في الفترة التي فيها سمح أخيرًا للنساء بالسياقة.
ولكن محمد بن سلمان ارتكب خطأ شديدًا في حساباته، لم يفهم أن اختطاف صحافي وتقطيع جثته، وهو مواطن أمريكي، والجريمة التي ارتكبها لم تكن أكثر من التعبير عن رأيه، هو ببساطة أكثر مما يستطيع الأمريكيون تحمله.
ليس بالإمكان التلويح بنوع كهذا من التصرف الوحشي أمام الولايات المتحدة، وتوقع أن العالم سيتصرف كالعادة. قد لا يهم الأمر ترامب، كما يمكن الاستنتاج من الصورة التي يلاحق بها بوتين، الذي هو أيضًا قاتل للصحافيين. ولكن ثمة حدود للشعب الأمريكي، وربما يتوقع من حكومات صديقة معايير أعلى. هم يتوقعون أن الحلفاء على الأقل لا يورطوا أمريكا في جرائم مقيتة.
أسباب ذلك قابلة للنقاش؛ والتفاصيل الصادمة للقتل هي جزء من ذلك، لكن قتل الخاشقجي يمس بتوجهات دولية أوسع من عدم الليبرالية وملاحقة صحافيين يبحثون عن الحقيقة. لم يكن السياق أن «محمد بن سلمان يسكت منتقدا للسعودية»، ليس إلا، فحقيقة أن ولي العهد لم يفهم هذا الواقع أو لم يكن يستطيع تقديره، وحقيقة اعتقاده بأنه يستطيع فعل ذلك دون تحمل النتائج، ولم يكن هناك مستشار أراد أو كان يستطيع وقف نزواته، كل هذه تطرح أسئلة هامة فيما يتعلق باعتباراته وسيطرته، وتوفر إجابات قاطعة فيما يتعلق بأخلاقيته.
بالنسبة لإسرائيل، القضية الوسخة هذه ربما تدل على أنه لن يكون بالإمكان الاعتماد على مرساة الواقع الشرق أوسطي الجديد الذي أرادت تحقيقها: تحالف إسرائيلي ـ سني تحت مظلة أمريكية، تردع إيران والجهاديين السنة.
يجب على إسرائيل الحذر في تخطيط خطواتها. ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة سترد على قتل الخاشقجي حتى لو كانت إدارة ترامب ستعارض ذلك. الرد لن يؤدي إلى تفكك كامل لتحالف الولايات المتحدة ـ السعودية، لكن الاشمئزاز الذي يشعر به الجمهور الأمريكي والكونغرس سيجبي ثمنًا. لإسرائيل مصلحة واضحة بأن تبقى السعودية حليفة للولايات المتحدة، بهدف الاستعداد الأفضل أمام إيران.
سيتعين عليها الامتناع عن التحول إلى لوبي لمحمد بن سلمان في واشنطن. تنسيق إسرائيل مع شركائها في المنطقة ما زال أمرًا مهمًا ومطلوبًا. هذا أمر يتعلق بالواقعية السياسية، ببساطة، ولكن هناك خطر جديد للإضرار بالسمعة من العلاقة القريبة مع السعودية.
لن يكون من السهل على إسرائيل السير في مياه كهذه، في الوقت الذي انقسم فيه واضعو السياسة الخارجية في أمريكا إلى معسكر مناهض لإيران ومعسكر مناهض للسعودية. الولايات المتحدة يمكنها أن تعارض بصورة مساوية للقسوة التي تظهرها إيران والسعودية تجاه مواطنيهما. وعدم السماح لجرائم محمد بن سلمان أن تؤدي إلى تقليل الضغط الذي تستخدمه على إيران بسبب نشاطها الضار في المنطقة. ولكن هناك خطر من أن هذا الأمر لن يحدث.
من ناحية إسرائيل، ربما سيكون هذا هو التداعي الأخطر لقتل الخاشقجي. ولي العهد المصاب بالاستحواذ لإسكات معارضيه قوض فعليًا محاولة تشكيل إجماع دولي للضغط على إيران.
الضرر كبير. وترامب ربما يكون استثناء، لكن أي عضو كونغرس، وأي زعيم أوروبي سيوافق على أن يجلس ويبحث مع محمد بن سلمان في موضوع إيران؟! هذه هي البينة القاطعة على العمى الاستراتيجي لمحمد بن سلمان. والضرر سيتواصل طالما أنه يسيطر على المملكة.
دان شبيرو
هآرتس 19/10/2018