لماذا يعزف الجزائريون عن الرواية البوليسية؟

حجم الخط
0

■ من المُفارقة أن أشهر كاتب في الجزائر هو ياسمينة خضرا (1955)، الذي اشتهر، منذ مطلع التسعينيات، بروايات بوليسية، عندما كان يوقع أعماله باسم: الكوميسار لوب، في المقابل فإن هذا النوع من الروايات لا يزال يحبو، يُناور بصعوبة، غير قادر على رفع رأسه، وبالكاد يجد له مكانة مستقلة في رفوف المكتبات، أو بين أيدي القراء، لاسيما إذا تعلق الأمر بأسماء جزائرية في هذا النوع الأدبي. حيث يميل الكثيرون إلى قراءة روايات بوليسية إذا كانت مستوردة، من فرنسا أو أمريكا، أو من دول إسكندنافية، يتهافتون عليها ويعرفون أسماء سلاسل النشر ويقبلون على ترجمات لها بالعربية، ولا يكتفون بمطالعتها، بل يسعون لمشاهدة ما توفر منها في حال ما تم اقتباسها في أفلام أو مسلسلات، لكنهم غير متصالحين مع كتاب محليين، عدا ياسمينة خضرا، كما أن الكتّاب في الجزائر يبدون – إلى حد ما – مُعاداة لهذا النوع الروائي، يُديرون له ظهورهم، كما لو أنه أقل قيمة من الأشكال الأخرى، أو أنه للتسلية لا أكثر، أو في درجة أدنى من الروايات الفلسفية أو التاريخية، وتوجه الكتاب إليه يقلل من قيمتهم في أوساط النقاد، ولا واحد منهم يتقبل أن يوصف بكاتب روايات بوليسية وكفى.
غامر البعض، في سنوات ماضية، بتجريب هذا النوع، وصدرت روايات تقترب من الكتابة البوليسية أو الرواية السوداء أو التريلر، أو ما يُطلق عليه أحياناً قصص الجريمة، لكن استقبال تلك النصوص جاء باهتاً، فتجربة الكتابة في هذا السياق لا تحكمها فقط رغبة الكاتب وإبداعه، وتعبه في إنجاح النص، لا يتعلق الأمر بنوع الحبكة أو شكل السرد، ولا في خطته من أجل الإمساك بالقارئ من صفحاته الأولى، بل الأمر تحكمه أيضاً ذهنية اجتماعية، ذائقة سائدة وصعب تعديلها أو تغييرها، واستعداد الأفراد لقراءة رواية بوليسية محلية، وطريقتهم في التعامل معها، ويبدو أن مجتمعاتنا تفرط في إظهار الطهرانية، لا تبتلع – بسهولة – روايات بوليسية، تحصل في أرضها، قد تجد فيه تناقضا مع خصوصياتها، أو تعاكسا مع ما تود رؤيته في نفسها، وتفضل أن تقرأ ما يحصل من إراقة دم أو جرائم، في مجتمعات أخرى بعيدة عنها، تسمع عنها، ولا تشترك معها في التاريخ، لكنها تستثمر في حكاياتها من أجل استجلاب المتعة.
ستيفن كينغ أو دان بروان أو هينيغ مانكل هم من الأسماء الأكثر حظاً في القراءة في الجزائر، أسماؤهم تتداولها الألسنة، كما لو أنهم من فقهاء المدينة، وكتبهم من الأكثر تحميلاً من مواقع إلكترونية، بل إن هناك من يجزم ألا أدب يُكتب خارج ما يكتبه هذا الثلاثي، لكن لماذا ينجح كتاب أجانب في كسب قراء محليين، بينما يعجز الكاتب الجزائري على فعل ذلك حتى لو جاء بمثلهم؟ تعودنا على أن الرواية البوليسية أو الرواية السوداء أو رواية السوسبانس، لا تعرض على الرف نفسه مع روايات ما يُطلق عليه الأدب الأبيض، غالباً ما تُعزل في زاوية منفصلة، كما لو أنها ليست في مستوى بقية الروايات الأخرى، أو أنها سلعة مغايرة.

هناك روايات بوليسية كتبها جزائريون، وأخرى كتبها أجانب، لكنها تجعل من الجزائر ديكوراً لها، لكن هناك تذبذب في هذا النوع الروائي.

لكن هذا الأمر لا يتعلق بدونية الرواية البوليسية، حين تكتب في الجزائر، بل لسبب آخر هو أنه نوع روائي جديد تاريخياً، عمره قصير مقارنة بالضروب الروائية الأخرى، حيث يمكن أن نؤرخ للرواية البوليسية في الجزائر منذ نهاية الثمانينيات، مع كاتب مثل حفناوي زاغر (1927- 2018)، الذي استفاد من عمله كعميد للشرطة في كتابة رواياته. وهي رواية أيضاً حديثة في الحيز الإفريقي، حيث لم تظهر سوى في منتصف الثمانينيات مع المالي موديبو سونكالو كايتا، وواصل بعده الكاميروني سيمون نجامي، قبل أن تحصل قطيعة استمرت سنوات إلى غاية وصول المالي الآخر والأشهر موسى كوناتي (1951- 2013) الذي استمر في الروايات البوليسية إلى غاية عمله الأخير، قبل رحيله، الذي جاء بعنوان «جريمة في تمبكتو».
عندما نذكر ياسمينة خضرا أو حفناوي زاغر، في الجزائر، فنحن نحدد أفق البحث عن كتاب من داخل التراب الوطني، لأن الأدب يمتد أيضاً في الخارج، مع كتاب يقيمون خصوصاً في فرنسا، حاولوا المغامرة في الرواية البوليسية، مستفيدين من تراكمات ثورة التحرير، وسخونة ما تعيشه الضواحي الباريسية، التي يقيمون فيها، مع ما يضاف إلى ذلك من حنينهم إلى بلدهم الأم، وتعاظم مشاكلهم في الاندماج أو مشاكل الأجيال الشابة، وصداماتها، التي توفر بشكل دوري مادة خصبة للميديا الفرنسية، التي كثيراً ما ربطت بين الجريمة والضواحي الباريسية، التي يقيم فيها مهاجرون من الجزائر ومن المغرب العربي إجمالاً. ففي 1998، أصدر مولود عكوش، عن «السلسلة السوداء»، ضمن منشورات غاليمار، رواية «إشعار بالانتهاء»، وهي رواية تتحدث عن محققة شرطة جزائرية اسمها نسيمة بن عروس، تحقق في مقتل مهاجر برتغالي في باريس. كما كتبت الفرنسية كاترين سيمون رواية بوليسية عن الجزائر، بعنوان «قبلة بلا شارب»، وهي تعرف البلد جيداً، قبل أن تقيم فيه خمس عشرة سنة، كمراسلة لجريدة «لوموند». لكن نهاية التسعينيات كانت مرحلة نجومية ياسمينة خضرا، الذي اختار هذا الاسم المستعار نهائياً (بعدما جرب اسمه الحقيقي محمد مولسهول ثم اسم الكوميسار لوب)، استعاد عشرية الدم وسنوات الموت في الجزائر، كي يكتب روايات لاقت رواجاً، بين 1997 و2000، منها: «موريتوري»، «خريف الأوهام»، «خرفان الرب» و«بم تحلم الذئاب». قبل أن ينتقل في تحقيقاته التي تخلط بين البوليسي والمتخيل إلى أمكنة أخرى، مثل أفغانستان والعراق وفلسطين والصومال.
هناك روايات بوليسية كتبها جزائريون، وأخرى كتبها أجانب، لكنها تجعل من الجزائر ديكوراً لها، لكن هناك تذبذب في هذا النوع الروائي، مع أن بعض الأسماء، التي برزت منذ بدء الألفية الجديدة لا تزال تسعى بهدوء في هذا الخط، ويمكن أن نذكر من بينهم عدلان مدي (1975)، الذي أصدر، لحد الساعة، ثلاثية بوليسية، آخرها رواية «1994»، التي تعود هي أيضا إلى تلك السنة التي عنون بها روايته، التي شهدت انفلاتاً أمنياً دامياً في الجزائر. بالإضافة إلى أعمال عمارة لخوص (1970)، الذي يكتب بالعربية والإيطالية، وبسط اسمه مع الوقت، منذ رواية «كيف ترضع من الذئبة دون أن تعضك»، ولا يزال يثير فضول القراء بروايات تشتد فيها الحبكة البوليسية.
إن الحاجة لرواية بوليسية تعبر عن تغيرات لافتة وقعت في مجتمع ما، وتأتي هذه الرواية كي تدونها أو تُحاول شرحها، ومن المتفق عليه أن الجزائر تعيش تغيراً كبيرا، لا يمكن أن تحتويه سوى رواية بوليسية، فهل سنشهد – عما قريب – ميلاداً جديداً لها؟

٭ كاتب جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية