لندن ـ «القدس العربي»: على النقيض من البداية المشرقة التي امتدت حتى آخر ساعات فصل الخريف الماضي، دخل تشلسي في دوامة من النتائج التي تندرج تحت مسمى «كارثية»، وصلت لحد الاكتفاء بتحقيق 3 انتصارات فقط في آخر 11 مباراة للفريق في مختلف المسابقات، ليدفع المدرب إنزو ماريسكا فاتورة باهظة الثمن، بالخروج من دائرة المنافسة على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز مع المتصدر ليفربول والوصيف آرسنال، بعدما كان على بعد نقاط تعد على الأصابع من أحمر الميرسيسايد، ومؤخرا ودع كأس الاتحاد على يد دابته السوداء هذا الموسم برايتون في الدور الرابع، وقبلها خسر من نيوكاسل في دور الـ16 لكأس كاراباو، في ما وُصفت إعلاميا بأسوأ نهاية لشهر العسل بين المدرب الإيطالي وأسود غرب لندن، باعتبارها المرة الأولى التي يواجه خلالها المدرب الأربعيني، خطر انهيار موسمه، أو في أضعف الإيمان مؤشرات لإمكانية الإخفاق في تحقيق الهدف المنشود في نهاية الموسم، بعودة الفريق إلى دوري أبطال أوروبا، مع إمكانية التتويج بكأس المؤتمر الأوروبي، وفي هذا التقرير دعونا نستعرض معا أسباب تبدل أوضاع البلوز في الأسابيع الماضية وتبعات الخروج الصادم من كأسي إنكلترا وتنازله عن المربع الذهبي في البريميرليغ إذا لم يجد ماريسكا طريقة ما لمنع هذا الانجراف العظيم وإعادة الفريق إلى المسار الصحيح قبل بدء العد التنازلي لأشهر الحسم المتبقية على انتهاء الموسم.
لعنة عيد الميلاد
بدأت الضغوط الإعلامية والجماهيرية تتزايد على عراّب مشروع تشلسي، عشية الاحتفالات بأعياد الميلاد أواخر ديسمبر/كانون الثاني، بتعادل سلبي مع إيفرتون (في أتعس لحظاته في الموسم)، ثم بسلسلة من الهزائم والعروض المخيبة للآمال، على غرار السقوط في قلب «ستامفورد بريدج» أمام غريم الحي الغربي فولهام بنتيجة 1-2 في دربي الجولة الثانية عشرة، ثم بهزيمة أخرى خارج القواعد أمام إيبسويتش، في ما كان أول انتصار يحقق الفريق العائد مرة أخرى إلى البريميرليغ على ملعبه «بورتمان رود» منذ بداية الموسم، وثالث فوز بعد تجاوز توتنهام وولفرهامبتون في «توتنهام هوتسبر» و«المولينيو»، واستمرت هذه السلسلة المأساوية بالسقوط في آخر مباراتين أمام برايتون، الأولى في الدور الرابع للكأس الأعرق والثانية في الأسبوع الخامس والعشرين للبريميرليغ، وهو ما يتعارض مع ثقافة النادي وما اعتاد عليه الجمهور في العصر الحديث، برؤية الفريق في قبلة كرة القدم ملعب «ويمبلي» ولو مرة واحدة في كل موسم، بالتواجد دائما إما في المباراة النهائية لإحدى الكأسين، أو بحجز مكان في نصف النهائي، حتى لو كان الفريق في أتعس أوقاته، كما كان الحال في الموسم الماضي تحت قيادة المدرب ماوريسيو بوتشيتينو، الذي ودع كأس الاتحاد بصعوبة بالغة أمام مانشستر سيتي في ملحمة نصف النهائي، وخسر نهائي الكاراباو أمام ليفربول، وقبلها بعامين جاء في المركز الثاني في البطولتين، بعد الخسارة أمام ريدز يورغن كلوب، في آخر محاولة جادة لتحقيق أول رباعية في تاريخ الأندية الإنكليزية، ولهذا، يعتبر الخروج المبكر للغاية من كأسي الرابطة والاتحاد، ضربة كبيرة للمدرب ماريسكا، بالأحرى أول ناقوس خطر أو تهديد حقيقي لمستقبله في «ستامفورد بريدج»، إلا إذا تدارك الموقف في معاركه القادمة في الثلث الأخير لموسم البريميرليغ ومراحل خروج المغلوب في البطولة الأوروبية.
سلاح ذو حدين
واحدة من الأمور أو الأشياء، التي لا تبعث التفاؤل على المشجعين، ذاك الهبوط المثير للجدل سواء في الأداء الجماعي للفريق أو على مستوى الأفراد، بما أجمع عليه النقاد بتلاشي لتلك الآمال أو الحلم الخاطف، الذي جعل الكثير من الخبراء والمشجعين، يضعون الفريق في جملة مفيدة في المنافسة على لقب الدوري، لينتهي بهم المطاف، بإحصائية تنبض بالطاقة السلبية لمشروع ماريسكا، بتراجع نسبة فوز الفريق تحت قيادة المدرب الحالي إلى 50%، أقل من سلفه الأرجنتيني، الذي وصلت نسبة الفوز معه في نهاية حقبته لنحو 51%، انعكاسا للتضارب المثير بينهما، ففي الوقت الذي عانى فيه البوش الأمرين في بداية الموسم قبل أن تظهر بصمته في نهاية الموسم، الآن نشاهد العكس مع ماريسكا، من بداية نارية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلى ذاك التراجع الصادم في كل النواحي منذ بداية فصل الشتاء، لكن بالنسبة للمدرب المسؤول عن النتائج وكل شيء أمام مجلس الإدارة، فإن الأمور ما زالت تحت السيطرة، أو كما قال في عطلة نهاية الأسبوع الماضي: «نحن بحاجة إلى تعلم كيفية حسم بعض المباريات بنتيجة 1-0، وقلت ذلك مرات عدة، وفي مباراتنا أمام وستهام كنا متأخرين، لكن في النهاية فزنا 2-1، وهذا جزء من الموسم وأيضا جزء من إثارة كرة القدم، ففي بعض الأوقات تكون متراجعا وتحقق الفوز، وفي بعض الأحيان يحدث العكس، وهذا ما حدث أمام برايتون، لكنني قلت للاعبين قبل أسابيع أننا كفريق نحتاج إلى تعلم كيفية الفوز في المباريات 1-0، لأن هذا ما تفعله الفرق الكبيرة»، ما يعني أنه يراهن أو يعتقد أن القادم سيكون أفضل، عندما يبدأ العد التنازلي لمعارك تكسير العظام ضد مانشستر سيتي ونيوكاسل وبورنموث ونوتنغهام فورست، الطامح في خطف مركزه الحالي الثالث في نهاية الموسم، وذلك بعد الاكتفاء بانتصارين فقط في آخر ثماني مباريات في الدوري، منها مباراة واحدة مع أحد الكبار السيتي في قمة الجولة الثالثة والعشرين، من يدري؟ قد يفوز بالرهان في نهاية المطاف، لكن هذا سيتوقف على نتائجه ومدى التحسن الذي سيطرأ على الأداء الجماعي والفردي في المواجهات المعقدة التي ستعقب زيارة «الفيلا بارك»، باستضافة ساوثهامبتون وليستر الأسبوعين المقبلين، فيما ستكون أشبه بمباريات الكؤوس بالنسبة للفريق للحصول على الدفعة المعنوية التي يبحث عنها المدرب قبل زيارة ملعب «الإمارات» لمواجهة الغريم اللندني آرسنال في آخر جولة قبل عطلة مارس/آذار الدولية، ثم الاصطدام بالعدو العاصمي الآخر توتنهام في أول مباراة بعد عودة اللاعبين من التوقف الدولي.
الرؤية الجديدة
على غير العادة، لم تحدث تسريبات من داخل مجلس الإدارة، بشأن رأي أصحاب القرار بما يقدمه الفريق في الأسابيع الماضية، وربطها بالموعد المحتمل لخروج المدرب إذا لم تتحسن الأمور، وهذا يرجع إلى اتفاق الإدارة مع المدرب على خطة طويلة الأجل، من المفترض وفقا لماريسكا، أن تظهر ملامحها في الموسم التالي، بالمنافسة على المراكز المؤهلة لدوري الأبطال، ثم بعد ذلك التفكير في مزاحمة الطامعين في لقب البريميرليغ، لكن في عالم كرة القدم، هذا لا يعني أنه حصل على ضمانات مقدسة للحفاظ على منصبه حتى بداية موسمه الثالث، او على أقل تقدير لا ينفي حقيقة أن الفريق بدأ النصف الثاني بسلسلة من العثرات التي نسفت البداية الواعدة في بداية الموسم، وبطبيعة الحال، إذا لم ينجح في إخراج أفضل ما لدى لاعبيه في ما تبقى من الموسم، ستكون وظيفته في خطر عظيم، ويأتي في مقدمتهم صاحب السعادة كول بالمر، الذي تراجعت إنتاجيته بالتزامن مع العروض المأساوية الأخيرة، رغم حفاظه على تأثيره الكبير في أهداف ونتائج الفريق في بداية فترة المطبات الصعبة، بتلك الطريقة التي خطف بها الأنظار بهدفه الخرافي في شباك فولهام، وكذلك هدفه في ليلة التعادل مع نسور كريستال بالاس، لكن سرعان ما تلاشى تأثير أفضل لاعب في إنكلترا الموسم الماضي، إذ تحول فجأة وبدون سابق إنذار، إلى نسخة أقل حدة وإبداعا وتسجيلا للأهداف، وكأنه تأثر بالطاقة السلبية المسيطرة على غرفة خلع الملابس.
وهذا الأمر كان واضحا في ظهوره الباهت أمام السيتي، وبالمثل في مباراته الأتعس على الإطلاق هذا الموسم أمام مطارق وستهام، وتبعها بأداء للنسيان في آخر هزيمتين أمام برايتون، وصلت لحد فقدان الكرة 12 مرة في الشوط الثاني في ملعب «أميكس»، تجسيدا لوضعه البائس في الآونة الأخيرة، مقارنة بظهوره الطاغي أمام نفس المنافس في مباراة الدور الأول، التي خرج منها بأربعة أهداف في شباك برايتون، وهي الأهداف التي حسم بها البلوز الموقعة مقابل هدفين للضيوف، والبعض أرجع السبب إلى إفراط تشلسي في الاعتماد على صاحب الـ22 عاما منذ ضمه من السيتي في صيف 2023، إما لحاجة الفريق للمحاته الإبداعية ومساهماته التهديفية، وإما لعدم وجود بدائل، لا سيما بعد إيقاف مودريك بسبب المنشطات ثم إصابة جاكسون، التي سهلت من مهمة مدافعي برايتون في مراقبة الفتى الزئبقي، في ظل غياب التفاهم بينه وبين الفرنسي كريستوفر نكونكو، لكن بوجه عام، هناك شبه إجماع، بأن الأزمة لا تكمن في اختفاء تأثير بالمر في الأسابيع الماضية، بل في حالة الهبوط الجماعي في أداء اللاعبين في كل المراكز، والحل؟ أن يتمكن المدرب من إعادة اكتشاف أصوله الثمينة، أو يجد طريقة ما لتحفيز اللاعبين وإثارة حماسهم بالصورة التي كانوا عليها في بداية الموسم، معها قد يعود نجم الموسم الماضي إلى مستواه المعهود، أو على أقل تقدير يجد المساعدة اللازمة من باقي الزملاء لإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح من خلال استعادة نغمة الانتصارات قبل فوات الأوان.