لماذا يغذي الغربُ منابع الارهاب والتطرف؟
علي طه النوبانيلماذا يغذي الغربُ منابع الارهاب والتطرف؟ قبل عامين تقريبا كنت عائداً في سيارتي من اربد الي جرش (مدينتان في شمال الأردن)، وأثناء مسيري أشار لي سائح أجنبي، فتوقفت عارضاً المساعدة، وبعد الترحيب التقليدي سألته: من أي البلاد هو؟ فأجاب: من ألمانيا، وبينما كانت الطريق تخترق غابة صغيرة قرب جرش، كان يستفسر مني عن موقف الحافلات التي يمكن أن تقله الي العاصمة عمان.كنت بين الفينة والأخري أختلس النظر الي عينيه الزرقاوين وقوامه الآري المشع، ولمع في ذهني ما عرفته عن الحربين العالميتين، وعن هتلر وحتي عما قيل ويقال عن الهولوكوست، ولكني قطعت صمتي وأكدت له بأني سأقوم بتوصيله الي موقف الحافلات، بل وعرضت عليه أن يحتسي الشاي في بيتي فاعتذر بلطف ذاكراً لي بأن برنــامجه لا يحتمل.وعندما خرجنا من الغابة الصغيرة التي تسمي ثغرة عصفور وأطلّت علينا العجوز القديمة جرش وهي جالسة في حضن الجبال الشاهقة، صاح الألماني wonderful Magnificent فأصابني الذهول ليس من شيء سوي رغبتي في معرفة سبب دهشته، وقلت له: ما هو الرائع فيما تري؟ قال: منظر مدينتكم رائع جداً…نظرت الي المدينة بطريقة مختلفة: كانت جبال عجلون تهبط علي جرش من العلياء وكأنما هي عالقة بأشعة الشمس …قلت له: أيا كان الأمر، فان وراء هذه الجبال شيئاً مرعباً لا يسمح لنا بتذوق هذا الجمال الذي تتحدث عنه، فسألني باستغراب: عمّ تتحدث؟ قلت له: وراء هذه الجبال دولة تسمي اسرائيل تمتلك مائتي رأس نووي والكثير الكثير من الأسلحة، وقد سبق لها أن ارتكبت الكثير من الفظائع والمذابح بحق الناس البسطاء .. وهي تشكل مصدر تهديد دائم لهذه المدن الوادعة!امتقع وجه الرجل وتمتم بكلام فهمت منه استنكاره لطرح مثل هذه الفكرة، بل وعدم رغبته في مناقشتها … وكنا قد وصلنا الي موقف الحافلات فتوادعنا مبتسمين.لقد تذكرت هذه الحادثة ضمن محاولتي لفهم الخطوط العريضة لملف ايران النووي، ففي الوقت الذي اكتفي فيه العرب بالنظر تحت أقدامهم طوال العقود السابقة أرادت ايران أن تنظر الي الأمام قليلاً، وهي مسألة تحتاج الي الجرأة أكثر مما تحتاج الي الذكاء والعبقرية، فالطاقة هي أساس النمو والتحضر في عصــــرنا هذا، والنفط مصدر ناضب لا محالة، ما معناه أن سكان هذه المنطقة سيرجعون الي عصور ما قبــــل التاريخ عند انــــــتهاء عصر النفط اذا لم يعدّوا البديل من الآن، هذا الي علمنا الأكيد بأن هذه المرحلة ليست بعيدة بل انها قد بدأت بالفعل مع التصاعد الجنوني في أسعار النفط وتزايد الطلب عليه، وتضاؤل مخزونه العالمي.انها معادلة سهلة ومعروفة لكل ذي بصر .. فاذا كان العالم المتحضر معنياً بالتنمية في منطقتنا فلماذا لا يساعدنا في توفير مصادر الطاقة البديلة، ولا يسمح لنا بأن نطورها بأنفسنا، وفي الوقت نفسه يغضّ الطرف عن اســرائيل التي تمتلك ما يزيد علي مئتي رأس نووي عدا عن المفاعلات النووية.جري هذا علي مستوي التنمية الاقتصادية تماما كما جري علي مستوي التنمية السياسية، حيث تعامل الغرب مع الدكتاتوريات العربية، ودعم استمرارها مع معرفته التامة بمدي تعطش الشعوب العربية للحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، بل ورأي أصوات الخير والعدالة والسلام وهي تداس تحت أقدام الارهاب والتسلط والسفالة ولم يحرك ساكنا.ان كل عاقل في منطقتنا وفي العالم يحلم بعالم خالٍ من السلاح النووي علي أن يتم العمل علي ذلك دون تمييز أو محاباة، ولكننا نحلم أيضا مثل غيرنا من الشعوب بأن نمتلك الطاقة الرخيصة التي تسمح لنا بأن نلحق بركب الحضارة وأن نعيش مثل غيرنا من البشر. هل يعرف الغرب بأن هذا التمييز المكشوف لصالح اسرائيل يخلق حالة من التردي الثقافي في منطقتنا، ويتيح الفرصة للقوي المتطرفة المسكونة بنرجسية الأحادية المغلقة وخرافات العداء الأزلي المقيتة للتغوّل علي قوي السلام والتسامح؟ بل ويجعل من قوي السلام والتسامح طرفاً ضعيفاً أمام قوي التطرف والعدوان تلك التي تحلم فعلاً بامتلاك كل أدوات الدمار بما فيها الأسلحة النووية ليس فقط لمحاربة من يرونهم أعداءً وانما أيضا لمحاربة الحياة نفسها. هل يعرف الغرب أن ملايين الأطفال في منطقتنا شربوا خرافات العداء الأبدي ليس فقط لاسرائيل وانما للغرب بقضّه وقضيضه أيضاً بسبب حالة الرعب التي صنعتها اسرائيل في المنطقة؟ وهل يحتمل عالم اليوم المثخن بالجراح والمآسي تخريج هذا العدد الهائل من المهووسين بالعنف والرغبة بالانتقام؟لقد رأيت في عيني الألماني حَرَجاً من الخوض في خطورة السلاح النووي الاسرائيلي، فالحضارة الغربية التي صنعت كل ما نعرفه من منجزات بُنيت كلّها علي المنطق تنقلب الي حالة دوغمائية عجيبة عندما نتحدث عن اسرائيل هذه الدولة المستثناة دائماً، والتي يحق لها ما لا يحق لغيرها. فهي تنعم بالطاقة الكهربائية الرخيصة من مفاعلاتها النووية ولا يستفيد جيرانها سوي مخاطر التسرب وربما دفن الفضلات النووية، وهي تمارس أسوأ أنواع التمييز وتقدم نفسها كدولة دينية في زمن العلمانية والديمقراطية، ثمّ يتذرع الغرب بديمقراطيتها الفريدة ليتمادي في دعمها ويعيب علي ايران النوع نفسه من الديمقراطية الدينية. ويبقي السؤال قائماً: لماذا يغذي الغرب منابع الارهاب والتطرف؟! وما هي مصلحته في تغوّل التطرف علي الاعتدال، والعداء علي التسامح، علي الرغم من كل دعاوي مكافحة الارهاب التي يرفعها، ألم يبلغ الوقت لكي يتنادي أحرار العالم ليعلنوا للغرب أن كفي تغذيةً وتحفيزاً للتطرف والاجرام وذبحاً لقـــــوي الخير والمحـــــبة، فان عالمنا يعاني ما يكفيه من مرارة الكوارث والمجاعات والفقر ومخاطر الطبيعة التي صنعها جشع الانسان وسوء ادارته. عضو رابطة الكتاب الأردنيين8