لماذا يكرهون المثقفين في الجزائر؟

حجم الخط
5

طرأ النقاش، منذ الأسابيع الأولى للحراك الشعبي، في الجزائر، عن أهمية تشكيل لجنة حوار، تجمع ممثلين من طبقات المجتمع باختلافاته، تسند إليها مهمة التفاوض مع السلطة الحالية، بغرض إيجاد حلول دستورية، وإعادة البلد إلى السكة الأصلح. تداول الناس أسماء، وتطايرت المقترحات، ووجد الشعب نفسه في مقابلة العشرات من الشخصيات، التي تُنعت ﺑ»الوطنية»، هناك من زكاها وهناك من أبى، ولكن الخلاصة، التي لا مناص منها، أنه كلما لمع اسم مثقف، أو أي شخص محسوب على «الثقافة»، تنافرت الآراء، وتحول إلى هدف ناعم للطعن، وللإساءات غير المؤسسة. لم تتوقـــف هــذه الحالة عند مثقف واحد، بل صارت ظاهرة، مما يُبيح السؤال: لماذا يكرهون المثقفين؟
إن ما يحصل، اليوم، ليس سوى نسخة معدلة من «المكارثية»، ويمكن أن نطلق عليها مبدئياً: «كره المثقفين» أو «مُعاداة المثقفين»، بغرض النيل معنوياً من مبدعين ومفكرين، وكل من ينتسب إلى الإبداع أو الفكر، بغية تحييدهم عن الوقائع، التي تجري على الأرض، ثم إقصائهم، ومضاعفة التهمة الموجهة إليهم بعدم الالتفات إلى ما يدور في بلدهم، وتعليق التميمة القديمة القائلة «إنهم يعيشون في أبراج عاجية».
نقطة البداية جاءت منذ اليوم الأول للحراك، في 22 فبراير/شباط الماضي، حيث خرج في اليوم التالي من يُعتقد أنهم «مثقفون» ـ من جامعيي وإعلاميي ربع الساعة الأخير ـ كي يكيلوا الشائعات والشتائم لزملاء لهم، بالادعاء أن الثورة غاب عنها المثقف، وهو رأي ذاتي، وحكم جائر، يُجانب الواقع، لكن الكثيرين تمسكوا به، وجعلوا منه، لاحقاً، بطاقة حمراء في وجه المثقفين إذ أرادوا المشاركة في دفع القاطرة، واقتراح أنفسهم في لجان الحوار، والمساهمة في تغيير الوضع نحو الأحسن. هناك سوء فهم مُفتعل، ورغبة ملحة، في فصل المثقف عن صفته الأساسية كمواطن، ننسى أنه قبل أن يلتحق بشغله الإبداعي أو الفكري أو التنظيري فهو أولاً مواطن يبتغي حياة أفضل في البلد الذي يعيش فيه، من خلال هذا التطليق التعسفي، تنطلق الأحكام المتسرعة، ويجد المثقف نفسه، في الغالب، في محل الدفاع عن نفسه وعن صفته، غير معني بالمشاركة في الرأي العام، وفي مواجهة السلطة، وفي تأطير صفوف الحراك ضد خلايا الدولة العميقة.
يتكل من يوصفون ﺑ «كارهي المثقفين» على حالات شاذة من مثقفين قبلوا، في أزمنة ماضية، ركوب زورق السلطة الفاسدة، والتحالف معها والاسترزاق من موائدها العامرة، يُعممون تلك الأمثلة دائماً كتبرير لعدائيتهم لكل المثقفين، ويغضون الطرف عن تاريخ عريق من معارضة المثقفين للحكم المجحف، الذي تغرق فيه الجزائر منذ استقلالها. هذا الوضع أفرز قائمة سوداء، لا تزال تتسع، وعلى رأسها ـ كما هو متوقع ـ مثقفون، يجدون أنفسهم جوراً في مرتبة أعلى من سياسيين ورجال أعمال، لعبوا دوراً محورياً في إطالة عمر النظام السابق المنتهي. وتطور الأمر وتحول إلى ما يشبه محاكمات افتراضية، تكاد تُنصب فيها المشانق، تحتضنها منصات التواصل الاجتماعي، يتم فيها خلط الأبيض بالأسود، ليس لشيء سوى بغرض تدنيس سمعة المثقف ودحرجته إلى أسفل السافلين.

«كراهية المثقفين» ليست حكراً على الأفراد، بل إن السلطة السياسية تنتهجها خياراً لها، وهي من يغذي هذا الشعور في قلوب الناس، والسبب خوفها من المثقف، لذلك ترفع من صخبها إزاء كل مبدع أو مفكر يثير حفيظتها.

أكملت الشائعات الدور كما يجب، وتحولت إلى يقين، وبتنا نسمع، من حين لآخر، افتراءات تصيب مثقفين على قيد الحياة وآخرين انتقلوا إلى الحياة الأخرى، تشيع أنهم كانوا مندسين، وينتحلون أكثر من صفة، في خدمة الجماعة السياسية، واستفاد الإعلام من هذا الجو المكهرب، ولم ينصرف إلى الحياد، بل انغمس في اللعبة، وراح يبعث رسائل «مشفرة»، ويسرب كلاماً لا سند له، في الإساءة إليهم، وكي يكسب مشاهدين وتفاعلات على السوشيال ميديا، يمتنع عن استضافة مثقفين في بلاتوهات الحصص، ويزيحهم من أمام الكاميرات، مكتفياً في النقاشات الأساسية بسياسيين، حبذا أن يكونوا من الشعبويين، بفعل قدرتهم السحرية في تلطيف الكذب، وتحويله إلى كلام قابل للتصديق. والهدف الأسمى في التنكيل بالمثقفين، يلحق بالمحسوبين منهم على اليسار، الذين يتلقون، كل يوم، سيلاً من التوصيفات الغريبة، بأنهم يحبذون مصالحهم الشخصية على حساب مصلحة الوطن، أو أنهم يميلون إلى فرنسا أكثر من ميلهم للجزائر، ولا فرار من التهمة الجاهزة، التي تلقى على رؤوسهم بأنهم يُعادون الإسلام، وأن نداءاتهم بعلمنة المجتمع لا يُراد منها سوى مسح الإسلام من العقول، وتحويل المساجد إلى قاعات أفراح. فالتلاعب بالكلمات، والتعتيم على معاني مصطلحات، مثل العلمنة والحداثة، هو ذخيرة «كارهي المثقفين»، كي يستمروا في حربهم، غير المعلنة، في تشويه صورة المثقف، وسحب البساط من تحت قدميه. أضف إلى ذلك، أن كل الفضائح، التي تحدث بين فينة وأخرى، تهون، إلا إذا كان الطرف فيها مثقفاً، فتصير شأناً عاماً، ولا يفوت مدونو الإنترنت التشهير بها.
حظيت «المكارثية»، في بداياتها بالتفاف شعبي، وسطع نجمها زمن الأزمة والحرب الباردة على الشيوعية، لكنها سرعان ما توارت لاحقاً، وهو الأمر المحتمل بالنسبة ﻟ»كراهية أو مُعاداة المثقفين»، هذه الأيديولوجيا، التي تطفو الآن، تعبر عن مرض اجتماعي، عن حقد، وليس لها من مآل سوى الزوال بمجرد زوال الأزمة، التي تدور فيها الجزائر منذ ستة أشهر. «كراهية المثقفين» ليست حكراً على الأفراد، بل إن السلطة السياسية تنتهجها خياراً لها، وهي من يغذي هذا الشعور في قلوب الناس، والسبب خوفها من المثقف، لذلك ترفع من صخبها إزاء كل مبدع أو مفكر يثير حفيظتها، وتحرك المجتمع ضده، دفاعا عن مصالحها، لا حباً في مواطنيها. ولو كان الأمر متاحاً لأدرجت مادة في القانون، تفرض على المثقفين القسم بالإيمان المغلظة، بالولاء لها، قبل أن تسمح لهم بأن يواصلوا نشاطهم الفكري. الواقع، كما نراه بالعين، لا يختلف عن محاكم التفتيش في القرون الوسطى، المثقف متهم إلى أن تثبت براءته، ولن تثبت في الظروف الحالية في الجزائر. والأسوأ من ذلك أن من يغذي كره المثقفين هم مثقفون آخرون أو يعتقد أنهم كذلك.

٭ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية