‘لمحات صوفية’ للفنان محمود شاهين: التغريبة التشكيليّة!

حجم الخط
0

المبدع السوريّ، أنهكه التعب، وما زال يقاوم، وإذا تكلّمنا بشفافيّة، فيمكن أن نقول إنّه يقاوم، لا ليقينه بمستقبل مشرق ينتظره، بل لحلاوة الروح!
لقد أنهكته النكبات، والانكسارات، والانتصارات الكاذبة، والاستبداد، مثلما أنهكه الجوع، والكفاف، وفكرة العيش بكرامة، ليأتي أخيراً الإرهاب، والحرب، والدمار، والقتل، والتصفية. وحينما يَعطِب السلاح السفينة، وركّابها، لا يمكن للفنّ أن يبقيك فوق الموج، كما كان يفعل سابقاً، في المراحل الرؤيويّة المستقبليّة، التي أشبهت عصر الحماسة، مثلما أشار إليه معين بسيسو في نصّه الشهير ‘القصيدة’، قائلاً:
صُبُّوا عليّ بِحارَكُمْ
صُبُّوا عليّ رِياحكُمْ
سَأظلُّ فوقَ الموجِ
لستُ غريقَكُمْ
فأنا الغرَقْ
ولَسَوْفَ أجْبِلُ موْجَكُمْ خشباً
وأعجنهُ ورقْ
وَعَلَى أصابعِ موجةٍ أبني سريراً
وأُعلِّقُ المصْباحَ والوطنَ الصّغيراَ
ذلك ما كان يقوله الفنّان، ويقاوم به، لكنّه اليوم مقصيّ، ومجبر على الرحيل، والهرب من الموت، والعنف، والثأر ومن كلّ أفكار الردّة البدائيّة.
لعلّ من تابع رحلة التشكيليّ، الفلسطينيّ، والسوريّ، والأردنيّ محمود شاهين، الذي ولد في القدس 1946، والقادم من دمشق، والذي حطّ رحاله في عمّان، وقد أنقذ من لوحاته ما أمكن إنقاذه، سيقرأ فيها تفاصيل ‘القصيدة’:
الآنَ عاصمةٌ جديدهْ
الآن نافِذَةٌ جديدهْ
الآنَ عَنْوانٌ جديدْ
هذا زمانُ الماءِ
كيفَ تُؤلّفُ البيتَ الجديدا؟
الآنَ أين تُعلِّقُ الشُّهداءَ والشُّعراءَ؟
بين لوحات معرضه (لمحات صوفيّة) ، القادمة من دمشق إلى قلب عمّان، يصنع تاريخه الخاصّ، من الهشيم الذي أنتجته التجربة التاريخيّة العربيّة، بل من مزق تاريخنا الذي حاولنا طويلاً أن نبتهج بثرائه وتنوّعه، لكنّ هذا التنوّع انتهى بنا إلى الإقصاء. ويبدو محمود شاهين قد رغب في صناعة تاريخ مواز للتاريخ الرسميّ، والمفروض، فصنع رموزاً أيقونيّة تجمع الموروث البابليّ، إلى الفرعونيّ، إلى الكنعانيّ، إلى العربيّ، مثلما تجمع الماديّ إلى الصوفيّ، وتبرز الجانب الأنثويّ من الحضارات البشريّة، محاولة أسر الفكرة في شكل، بالقدر ذاته الذي تحاول فيه تحرير الفكرة من أسر الشكل، وتلك الأيقونات متعدّدة، متقابلة، لا طغيان فيها، ولا إقصائيّة.
لقد شهد العقد الأخير من القرن العشرين، وكذلك العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين ثورة تشكيليّة عربيّة، اصطفّت فيها أسماء جديدة شابّة إلى جانب المؤسسين والمخضرمين، ذلك أنّ الفنّ التشكيلي العربيّ مازال فتيّاً، وقد بدأ يرسم مستقبله، باندفاعته الفتيّة تلك، منافساً في حضوره الفنون الأخرى. لكنّ التشكيل، ليس فنّاً شفويّاً، إنّه بحاجة إلى الاستقرار شرطاً موضوعيّاً لإنتاجه وتلقّيه، فلا تشكيل بلا تأمّل وتجريد، تماماً كالفلسفة. إذن، ليس الفنّ التشكيليّ فنّاً بدويّاً، يقوم على الترحّل، إنّه فنّ مدينيّ وبنائيّ، لكلّ من المبدع والمتلقّي، ولا أقصد بالترحّل، الرحلة التي عمد إليها ماتيس و رينوار.
تخبو شعلة الفنّ التشكيلي مع تغريبة الفنان، وانتقاله من مكان إلى آخر، مهدّداً، ومطارداً، ومتألّماً، ومخيّراً بين نفسه وأعماله، التي تصير في النهاية تاريخه الشخصيّ، فإذا حمل ما يستطيع حمله، وتبع خطّ الحياة، فكيف سيحمل جداريّاته؟!
يموت الفنّ التشكيليّ إن لم يجد متلقّيه، ويموت الفنّان إن لم يجد مقتنين، لكن من سيقتني اليوم لوحة، وحقائبه إلى جنب الباب، لأنّ منزله مهدّد بالزوال في كلّ لحظة! وعلى أيّة جدران سيعلّق لوحاته، على جدران بيته المتصدّعة من القصف، أم على جدران الخيمة! قد يجد الفنّ التشكيليّ سوقاً اليوم في حواضر ناشئة من مثل دبيّ وأربيل، على غرار ما حدث مع فنون ازدهرت في بعض إمارات الدولة الإسلاميّة في العصر العبّاسيّ الثاني، لكنّها سوق مجزوءة، وربّما مؤقّتة. لقد أضحى المواطن العربيّ بالكاد يظفر بسلامة وجوده الفيزيائيّ، والبيولوجيّ، فهل سيكون إشباع وجوده الثقافيّ في هذه المرحلة أمراً ملحّاً! ذلك من مؤرّقات الفنّان الذي صنع يوماً بهجتنا، وأقنعنا، مثلما أقنع نفسه أنْ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية