محمود قرني في اجتماع بنقابة الصحافيين دعت له قوى اليسار ‘الراديكالي’ قبل سقوط نظام حسني مبارك بيومين اثنين، دار الحديث عما يمكن أن يفعله اليسار داخل الطبقة العمالية دعما لثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير). الصحيح أن الاجتماع قصد إلى كيفية تصعيد الشعار اليساري في أوساط المتظاهرين، بنية إضافة العدد الأكبر منهم إلى سجلات اليسار الراديكالي. بالطبع لم يكن الأمر مفهوما وسط زخم جارف للثورة، التي بدت في حالة تمدد يتعاظم ويتعمق يوما بعد يوم بل ساعة بعد ساعة. وهو الأمر الذي دفع عددا من الحضور للتخلي عن خجلهم فتحدثوا بلا مواربة عن أن المشاركة اليسارية في الثورة تبدو قليلة الفاعلية، ضئيلة الحضور، فضلا عن محدودية تأثيرها، وهو ما يعني أن استنهاض الشعار اليساري وسط الشعارات غير الأيديولوجية للثورة هو محاولة لفصم عراها، لذلك لم يخجل كل من الشاعر سيد حجاب والدكتور أحمد الخميسي من اتهام اليسار بأن مثل هذا الطرح ليس إلا محاولة لسرقة الثورة.
فهل أخطأ معظم الحضور في التبرم من هذا الطرح الذي بدا متأخرا، حتى أن عددا ليس قليلا من الحضور ودع الجلسة قبل نهايتها. ظني أن هذا الطرح شابه عدة إشكاليات مهمة تعكس أزمة الواقع السياسي فيما قبل ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير)، وهو أمر لا ينطبق على فصائل اليسار وحدها، بل ينطبق على كل القوى السياسية التي عملت في ظل النظام السابق بما في ذلك جماعة الإخوان المسلمين التي تواجه مأزق التفكك بعد انكشاف الغطاء الكاذب الذي روجه النظام البائد حول قوة الجماعة، وهي قوة تجاوزت واقعها بكثير. الأمر كذلك ينطبق على اليسار التقليدي ويمثله حزب التجمع وبعض الفصائل المتناحرة، وهي تجمعات أساءت لتاريخ اليسار أبلغ الإساءة. ولعلنا تابعنا في السنوات الماضية حجم التحالف المخزي الذي ربط حزبا مثل التجمع بالحزب الوطني المنفك بدعوى إبعاد مصر عن المشروع الديني الأصولي الذي ينتظرها على يد الإخوان المسلمين أو بعض القوى المتشددة مثل الجهاد أو الجماعة الإسلامية، وهي كلها تخوفات ثبت بالدليل الجازم عدم صدقيتها، وظلت الحقيقة الأكثر سطوعا هي التحالف غير المقدس الذي نشأ بين أجنحة سياسية وأمنية في الدولة وبعض هذه الرموز، وتكونت عبرها أرتال من المصالح ذات الطبيعة الشخصية والفئوية التي قاوم أصحابها فكرة الانحياز لجوهر فكرتهم ذات البعد الطبقي. ‘ ‘ ‘ ‘الإشكالية الأجدر بالتوقف هنا أن اليسار الراديكالي بكافة فصائله، وإن اعترف بعفوية الثورة، باعتبارها أقرب للإبداع في صورته الإنسانية، إلا أن التنظيرات الكثيفة المتواترة حول مفهوم الطبقة ودورها انجرف باستمرار إلى المزيد من الطوباوية، لا سيما في بحثه عما يسمى بالتجانس بين الكتل البشرية الصانعة للفعل الثوري، دون أن يقنع المنظرون بقيام إجماع شعبي على مطالبية تمثل سياقا عاما، بمقدورها أن تحقق الانتصار الأكبر للطبقة الوسطى وفي القلب منها الطبقة العاملة. هذا يتم دون الانتباه إلى ما ينتظر الثورة بعد هبوبها وتحقيق أهدافها الأولى حيث من المعروف أن الأنظمة الباتريركية الأبوية والشمولية تتحالف عادة مع قوة رأس المال التي تكون بالفعل قد سهرت على إنتاج الأنساق المعرفية والقيمية التي يكون قد كتب لها السيادة، لذلك ليس غريبا أن تجد بعض ممن قامت الثورة من أجلهم يذهبون إلى مناهضتها والحض على إفشالها والانتقام منها، باعتبارها تمثل مغامرة لا مستقبل لها، وهؤلاء هم الذين يمثلون الوقود الداعم للطبقة الحاكمة في تحويل مسار الثورة الذي يطمح إلى التغيير الجذري، حيث يدفعون في سياقات إصلاحية ستكتفي غالبا ببعض التغيير في الوجوه دون التطرق إلى هدم جوهر النظام وأبنيته الأساسية وعقله المفكر بطبيعته الانتهازية.. ليس من العيب إذن أن نتوقف مليا أمام ما قاله ميكيافلي في كتابه ‘الأمير’: إن الأنبياء المسلحين قاموا بالفتوحات أما الأنبياء المجردون من السلاح فسقطوا صرعى.’ ‘ ‘ ‘من هنا يجدر بنا أن ننتبه إلى أن ثورة الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) بزخمها غير المسبوق لا تحتاج منا العودة إلى شعارات أشبعها الدهر تكلسا قدر حاجتها إلى الالتفاف حول المطالب شبه الإجماعية للشعب المصري. ومدى علمي أن أجهزة الأمن ما زالت متحيرة في تصنيف شباب الثورة ومفجريها حتى الآن. وقد حكى اليساري والمناضل كمال خليل، عن سؤال وجهه إليه أحد ضباط أمن الدولة أثناء حبسه لثلاثة أيام في بداية الثورة حيث قال له: كنتم (جيل السبعينيات) تعكفون الليالي في قراءة ماركس وإنجلز ثم تخرجون علينا بشعار (يسقط النظام)، أما هؤلاء الشباب فليس لهم علاقة بهذا التراث، فقط يجلسون إلى الـ (فيس بوك) ومع ذلك يخرجون علينا بالشعار نفسه ففي أي خانة تصنفهم؟. كان رد خليل أنه لا يصنفهم في أية خانة، فأجابه الضابط بأن جهاز الأمن يضعهم في صفوف اليسار. ورغم عدم دقة التصنيف بالمعنى المنهجي إلا أنه يعكس جانبا من الحقيقة، حيث يلتف شباب الثورة حول عدد من المطالب، الأشواق العامة، لعدد من القيم الكبرى وعلى رأسها العدالة الاجتماعية والمساواة والحرية، وهو الأمر الذي يراه الدكتور محمد البرادعي يمثل شكلا من أشكال الاشتراكية الديمقراطية، ومن ثم فإن هذا الإجماع، على المطالب الثلاثة بتفاصيلها التي تنهج نهجا تعدديا، يجب أن يدفع اليسار إلى التحالف المبدئي معها.. فالحديث في هذه اللحظة عن الكتلة البشرية التي يمكنها أن تمثل كلا متجانسا ضرب من الخيال، بل هي حلم بال ٍ يعكس تخلف حركة اليسار عن زخم الثورة المتسارع الذي يبدو في جوهره أكثر واقعية، لذلك فإن دعوة كمال خليل لإنشاء حزب يساري ديمقراطي تنضوي تحت لوائه كل فصائل اليسار سيمثل أكثر المواقف موضوعية وبراغماتية في الوقت نفسه. فالمشكلة الكبرى التي يواجهها اليسار الراديكالي الآن تتمثل في أنه ظل يمارس العمل السري على مدار الثلاثين عاما الماضية عبر خلايا محدودة التأثير، افتقدت الفعالية الميدانية والحركية في معظم الحالات، ومن ثم حدث انكفاء على النظرية وباتت هي الشغل الشاغل الذي أشعل مئات الصراعات لدرجة أفشلت كل المحاولات التي بذلها مخلصون لإنجاز ما يسمى بوحدة اليسار. ‘ ‘ ‘ ‘مشكلة اليسار في ذلك ليست فريدة في طبيعتها أو تجلياتها لا سيما أن المزاج المصري تغير في أيام معدودة كما لم يتغير من قبل. لا بأس، فماركس يرى أن ما تتعلمه الجماهير في أيام الثورة يتجاوز ما تتعلمه في ما تبقى لها من سنين قادمة وفائتة.
لذلك فإن جميع الأبنية الفوقية التي مثلت قهرا للشعب باتت تقترب بسرعة جارفة من السقوط، ينطبق الأمر كذلك على كل الأبنية التي تحالفت بشكل أو بآخر مع النظام المنصرم. الصورة الأولى يمثلها الجهاز الأمني بكل عنفوانه، وتمثل الصورة الثانية كل القوى المعارضة مجتمعة أو منفردة، وهو ما يعني أن ثمة انهيارات قادمة لن تستثني أحدا. إن الأشواق العامة لدى الجماهير لعقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للقيم الإنسانية الرفيعة، ويعيد للفرد صوته الخاص لأشواق تتجاوز الصراعات الأيديولوجية التي تبدو الآن كبقايا عشاء مسموم، ليس بإمكانه إلا تذكيرنا بخيانة تزكم الفضاء العام.
شاعر من مصر