فؤاد كنعان
لن تجد الكثير عن فؤاد كنعان على متصفح غوغل. الأرجح أن ذلك عائد إلى أن كاتبنا لم يدرك زمن وسائل الاتصال والأرشفة الجديدة. لن تجد أكثر من نبذة متكررة عن سنة مولده في مسقط رأسه رشميا، وعناوين كتبه وترجماته وتواريخ إصداره لها. كان قد كُتب عنه الكثير قبل رحيله في 2001، كما خصصت الصفحات الثقافية صفحات عن أدبه، إثر ذلك الرحيل. لكن، في ما تلا ذلك من سنوات، نُسي «المبدع» و»رائد القصة اللبنانية» والأديب الأول بين أقرانه، حسب تعداد غسان تويني مرة لأسماء المبدعين في لبنان. نُسِيَ أو أهمل. يمكن العثور على مقالات قليلة تذكرته خلال العقدين اللذين أعقبا رحيله، بينها مقالان أحدهما حمل عنوان «عشرون عاما على غياب صاحب «يا صبي يا أزعر يا لذيذ» وثانيها كُتب لذكرى مئة سنة على ولادته. المقالان نُشرا إذن في وقت مقارب، وهما لكاتب واحد أيضا هو سليمان بختي.
أتذكر جلساتنا في بيته في الأشرفية، عقب عودته إلى الكتابة بإصدار مجموعته «كأن لم يكن». كان يبدو لي كما لو أنه عاد إلى الكتابة بعد أن قرر، قبل سنوات، التوقف عنها. ربما كانت هذه حاله على الدوام، ينقطع عن الكتابة، ثم يعود إليها بعد استراحة طويلة. بين نشره مجموعته الأولى «قرف» ومجموعته الثانية «أولا وآخرا وبين بين» انقضى أكثر من عقدين. أما إصداراته الأخرى فيفصل بين واحدها والآخر، ثم خمس سنوات بين كل من الكتب الأخرى. ربما كان منشغلا عن الكتابة بأمور أخرى، بينها الحياة مثلا، تلك التي كان يحبها، رغم قرفه منها، كما يوحي العنوان الذي أراده لمجموعته الأولى «قرف». في أحد لقاءاتنا تلك، القليلة على أي حال، أتذكره وهو يستفيض في وصف الإحتفال الذي دُعي إليه آن صدور ترجمته «لبنان في شخصيته وحضوره» لميشال شيحا. جرى ذاك الاحتفال في قصر هنري فرعون، حسب ما زلت أذكر، وأغلب شخصيات لبنان، السياسية والثقافية والاجتماعية، كانت حاضرة هناك.. كان الاحتفال عظيما آنذاك، في ذلك اليوم من 1962.
«قرف» مجموعته الأولى صدرت في 1947. ذلك القدر من الرفض وكراهية العيش في المدينة كانا، في تلك السنوات، شائعين في الكتابة الأدبية عندنا. فلنقل إنه مزاج أدبي عام، أو مرحلة أدبية تمثلت في هجاء زيف المدينة وفسادها. يضاف إلى ذلك مسوغ آخر هنا هو، أن الكتّاب كانوا قد وصلوا إلى المدينة لتوهم، نازلين إليها من قراهم. من رشميا، في ما خص فؤاد كنعان، أو «راس المي» كما يفسر اسمها أو يعربه في سياق رجوعه إليها في كتبه الأخيرة. أما في مجموعتيه الأوليين فقد خرج عن مجرد الهجاء الوصفي، الخارجي للمدينة ليعبر عما تفعله تلك الكراهية فيه. ليس فقط تلك اللغة الشاتمة والحاقدة، بل الكافرة أيضا، تلك التي كأنها تخرج من فطرة ريفية سليطة، بل ذلك التعدي على ما كان يُتحرج من قوله آنذاك.
فؤاد كنعان كان ريفيا وحديثا في الوقت نفسه. أذكر أنه، في موازاة السطور التي سبقت، أو في التضاد معها، كانت معرفته بالرواية قد بلغت كاتبا مثل هنري ميلر، بل وبثلاثيته، التي أحسب أنها لم تصل إلا إلى أيدي قليلين. في السابق كان قد ترجم «أوجيني غرانده» لبلزاك، متعرفا بها على زمن روائي تأسيسي، مقدما إيَاه للقراء وللكتّاب العرب. ومثلما ظلت مجموعتاه القصصيتان حاضرتين، تُستحضر الأولى عند إصدار الثانية، رغم الفارق الزمني الضخم بينهما، ظلت «أوجيني غرانده» متذكرة وحاضرة عقودا بعد ظهورها في 1960.
من ردود الفعل التي كان يتلقاها كان فؤاد كنعان يظن أن خيط الاحتفال به سيظل متصلا ولن ينقطع. سيظل أثره، كما تأثيره، باقيين إلى ما يتعدى السنوات والعقود.
من ردود الفعل التي كان يتلقاها كان فؤاد كنعان يظن أن خيط الاحتفال به سيظل متصلا ولن ينقطع. سيظل أثره، كما تأثيره، باقيين إلى ما يتعدى السنوات والعقود. تلك السخرية العميقة الممتزجة بنبرة الافتضاح والزعرنة، الخارجة عن صوت الأدب السائد آنذاك وعن نبرته، كان حريا بها أن تفتتح عهدا كتابيا جديدا يشكل نواة لأدب جديد، أو لفرع منه جديدٍ على الأقل. ذلك لم يحدث. بقيت كتابة فؤاد كنعان هناك في سنواتها، وأغلقت كتبه على صفحاتها. هل تغيرت الذائقة الأدبية عند من كانوا قراء فؤاد كنعان في السنوات التي أعقبت رحيلَه؟ يحفز على هذا السؤال كون كتاب «يا صبي يا أزعر يا لذيذ» ظل ذكره حاضرا وحيا قبل رحيل كاتبه. وقد استمر ذلك، في حياة كاتبه لجيلين أو ثلاثة أجيال من القراء، قبل أن ينقطع. ذلك الانقطاع لم يحدث لكتاب سبقوه أو سبقوا زمنه. جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة ومارون عبود وتوفيق عواد، مثلهم مثل شعراء لبنان، ظلوا راسخين في المكانة التي بلغوها، وإن بنسب متفاوتة. ربما لأن هؤلاء عاشوا في زمن تأسيسي كان البلد فيه يبحث عن لبنات إضافية تسند قيامَه. ونحن الآن لسنا في ذلك الزمن، بل في زمن تداعي ما كان قد تأسس. (على ذكر الفروق في حِفظ التواريخ والإبقاء عليها حاضرة، يلفتنا كيف أن عصر صدر الإسلام حفظ كل واقعة وكل محاورة وكل اسم، فيما اكتفى لعصر الانحطاط المديد بذكر عناوينه).
فؤاد كنعان كان على وشك الانضمام إلى ذلك النادي، نادي أدباء لبنان المؤسسين، لكن الباب أقفل دونه. وهذا الإقفال ما زال مستمرا في عهد انتشار الأدب الروائي وبلوغه ذروته، كتابة وقراءة. أليس غريبا، إزاء هذا الانتشار، أن لا يرجع هؤلاء، القراء والكتاب، إلى البحث عن أعلامهم الأدبيين السابقين وإعادة استذكارهم؟ ربما يعود ذلك إلى أن التسلسل الكرونولوجي للرواية موجود في مكان آخر، وهو كُتِب بلغات أخرى. فلنتذكر موجات تأثرنا الأخيرة بالكتابة الروائية، مثل وليم فوكنر، ثم في وقت تالٍ غابرييل غارسيا ماركير، ثم كاواباتا والأدب الياباني، ثم ميلان كونديرا ومعارضي أوروبا الشرقية الآخرين.
نكتب مستبعدين إمكان أن يكون، بين أحد المؤثرين، أحد منا. كيف سيُتذكر فؤاد كنعان في تتابع الموجات الجارف. «هل تعرفون كاتبا اسمه فؤاد كنعان؟» أسأل الطلاب في حصة التدريس: «من هو فؤاد كنعان؟» يجيب واحد منهم بعد دقيقة أو دقيقتين من الصمت مرجعا السؤال إليّ. «طيب يوسف حبشي الأشقر، هل تعرفونه؟» ولا يلبث أن يعود السؤال إليّ. «طيب.. مارون بغدادي؟».
هي وحدات زمانية صغيرة لا تتسع الذاكرة لأكثر من واحدة منها. ذلك الظن ببقاء الأثر، الذي لطالما ساور أفكار الكتاب وأمثالهم، بات وهما إذ لم يعد هناك أحد ليحمله أو ليبقيه. كأن الزمن تقسم إلى أجزاء صغيرة منفصلٍ بعضُها عن بعض. وهناك، في كل من هذه الأزمنة، يغرق الناس في التفاصيل الصغيرة والكبيرة المتغيرة، يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة، تبعا لارتفاع مؤشرات الأسعار أو انخفاضها، تلك التي نتابع معها أثمان الأشياء التي نحتاجها ونترقب في الوقت نفسه أين ستنتهي بنا التصريحات والبيانات والشعارات والوجوه المصرة على ظهورها مئة مرة كل يوم.
كاتب لبناني