لمن تغني يا مطر؟

حجم الخط
0

المغيرة الهويديربَّ أخٍ لكَ أنجبته أمّنا الأرض، ورضعَ من ثدي فراتها حتّى استقامَ ظلّه شجيراتٍ في قيظ انتظاراتنا، يهب نفسه للأحلام الّتي جفّت، ليباسِ الشّفاه المتعطٍّشةِ أبداً للحياة يا عامر !.وقد نلتقي لنناقش ألف اختلافٍ بيننا، نلتقي تحت صفصافة على ناصية الفرات، في مقهىً شتائي الرؤى في دمشق القديمةِ الّتي نرتاد، يمكننا أن نفعل هذا على طاولة وفنجاني قهوةٍ وكأس ماء مشترك يمكننا أيضاً، أن نعدّ الاختلافات، ننظر إليها كقرانا التي تنحاز إلى وحدتها الهائلة، تقبع في فرادتها، تسحبنا إلى صوت الهواء حين نشق بخطانا دروباً ترابيّة في شمس الظهيرة هناك نعود من حيث جئنا، نعود ونحن موقنان تماماً أنّنا نتشابه كتلك القرى، لا اختلافات تذكر. قهرٌ واحدٌ، يبابٌ واحدٌ، وصخرً صلدٌ يجثم فوق الصدور جميعها نحن لا نختلف إلا لنتشابه في الريف الفراتي، كالقرى الضائعة في الغبار والجفاف، كوجه عجوزٍ’رقاوي’ يحتفل بالتجاعيد ذاتها، كخطوط العمرِ الشّقي في يد فلاح يمسك ‘الكاروك’ ويجيل نظره في احتمالات السماء لعلّها تهبه الحلم؛ قوت أطفاله، وصفة الدواء، دفاترهم المدرسيّة …نتشابه كثيراً، لنا لون الحنطة ذاتها، بشرتنا الّتي تنضج كرغيف الخبز على الصّاج، انفعالاتنا كارتجاج الماء في ‘القواديس’، كأهازيج الفلاحات الحالمات بالأمومة، القابعات خلف لثام، في التفاتات العشق في عيونهن. لمن تغنّي يا مطر؟! صوت تصفيقكَ، كف صديقي تحاكي كفّك، تحاول كفّي، تنجح في دوزنة اللحن، كصوت العذارى في العرس، أو كطفولتنا في رحلة ٍ مدرسيّة إلى قلعة جعبر، ننساق في ذاك الربيع الاستثنائي لصوت القصيدة؛ ‘ يا أيها الإنسانُ في الرّيف البعيد يامن يُصمّ السمع عن كلماتنا، بالعين لو صادفتهاكيلاتموت على الورقاسقط عليها قطرتين من العرقكيلا تموت فالصوت إن لم يلق أذناً ضاع في صمتِ الأفق ‘نكمل الرحلة بين انفراج غيمتين، ولاشيء سوى احتمال ‘مطر’ وهذه الأرض توغل في الحلم حين ترى تحققه ممكناً، لكنَّها أبداً تحاول في الجفاف لمن تغنّي يا مطر؟! أنظر الآن إليك، لأطفالك وأنت تحمل لهم فرح العيد مخبّأ في أكياس الإعانةِ لأسرهم التي نزحت من ديارنا لتواصل حياتها على الهامشِ في الزبداني، و عمّان، وبيروت .. هذا الطفل في يدك ابن عمّي والآخر ابن عمّك، ونحن إخوة تركوا دفاترهم المدرسيّة، هتاف حناجرهم، صوت الأنشودة؛ ‘ست سنينٍ أصبح عمري / صرتُ أمشّط بيدي شعري’ وتركوا مقاعدهم شاغرةً ومضوا في ليل المحطات يتعلمون درس الحياة في الليل البهيم، سعال أبيهم، شرود أمّهم، اللحاف الوحيد، تكوّمهم في أرضيات ‘الكراجات’ الرّطبة كلعاب مسنّ او كأعقاب السجائر، والدرس. ماضٍ وحاضر لا أكثر من اجترار الماضي؛ تركَ، يتركُ، وقف، جلس، ينظرُ، انهار في حضن أمه، و الآخر دس رأسه في عباءتها وبقي الأخير يتأمل بأعينٍ مكسورةٍ حذاء الفتاة الأحمر، فتاة لايمكن أن تصير عروسه، وغفوا في ليل المحطات القبيح، ولم ينته درس الحياة .أيُّ يبابٍ نحن فيه يا مطر؟!حين تصحو العائلة في غرفة الحراسة، تركض الأم إلى مطبخ السيّدة لتعدّ قهوتها الصباحيّة، يذهب الأب إلى الحقل، زراعة التّبغ أجدى من زراعة العمر حقول قمح وهناء !ويتفرّق البقية عامل في مطعمٍ، أو خادم في ملهى ليلي أو في الجريمة وتظلّ جدّتهم العجوز تحلم بالإياب إلى الفرات، وسنّها الذهبي، التماع ضحكات السادة، تندرهم، شفقة القاتل على القتيل ..أيّ يباب نحن فيه يامطر؟!وحدي، كنت أسير على هامش النهر، ألقي حصاة ملساء في وجهه، يتلقفها قعره وتتكاثر دوائر الأسئلة، أواجههُ غاضباً، أنا الذي أعلنت نفسي فرحاً طارئاًفي تجهّم الغضب، انحاز بشفاه جافّة لأقرأ ما تيسّر من شجن الوطن ولأسأل؛ لماذا الدروب التي تحمل خير بلادنا، ذهب الأرض الأبيض والأحمر والأسودِ تضيقُ حدّ محاكاة إشارة الاستفهام، لماذا؟ لماذا الطفولة في بلادي مشنوقة بالفقر والقهر والجهل؟! لماذا المتنفذون يجيئون على ظهور امتعاضهم ويرحلون بانجاز الحياة؟ لماذا يصير الفرات لا أكثر من نهرٍ مظلم؟! لماذا تراب بلادنا ذهب وفي الناس الكفاف؟ لماذا يُسجن المطر في الغيم البعيد؟ لمن تغنّي يا مطر؟!وفي المكاتب الرّصينة، يزهو الأرابيسك الدمشقي، يصحو دخان السيجارِ، يتكاثف في السقف، يمازحه برد المكيف، يهطل خيرنا على قرار كتبه نقر أصابع باردةٍ على الآلة الكاتبة، يغمر الماء أرضنا، يأخذنا القرار إلى ‘الحزام الأخضر’ لتسحيل الأرض حزاماً من ذهب يطوّق خصر سيدةٍ جميلة كالياسمين الذي نحب جميعاً أيّ يبابٍ نحن فيه يامطر؟ وأنت خلف هاتيك المكاتب، تقبع في وحدة السجن، تقرأ تاريخ القرى تختلف معي، نتشابه تحت الصخر الصّلد الذي يجثم فوقنا وأخرج من عزلتك كالضوء إلى تلك الخيام، خيام النازحين، أنادي الصغار، يتجّمعون حولي نربط العصوين بشكل متصالب، نلبسهما ثوب امرأة فراتية، و أسير وخلفي قرع أعوادهم على صفائح التنك وزمن الصفيح، ننادي كما كان يفعل أجدادنا حين انقطاع ‘المطر’: ‘ أم الغيث غيثينا بلّي بشيت راعينا راعينا حسن أقرع ومن سنتين ما يزرع’ تضحك السماء في تجاذب غيمتين، تردد في الرّعد، تسائلنا :’ ومتى نقيم العرسونودّع الآلام؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية