لمن يريد أن يتعلم درس الثورة التونسية

حجم الخط
0

تقوم السياسة في العالم العربي على علاقة هرمية عمودية بين الحاكم الذي يهيمن على كل شيء ويملك كل شيء وله الحق في كل شيء وعلى شعب مسلوب من كل شيء ولا يملك أي شيء وليس له الحق في فعل أي شيء.

ورغم أن هذه الوضعية السياسية تكاد تكون واحدة في كل العالم العربي فان الشعب التونسي بثورته على نظام حكمه الاستبدادي الذي يعتبر من أشد الديكتاتوريات وأقساها في العالم قد نجح في اسقاطها بطريقة شعبية أذهلت الجميع وهو ما دفع البعض الى التساؤل عن العوامل التي جعلت الشعب التونسي قادرا على اسقاط هذا النظام رغم ما تردد من انها كانت ثورة عفوية لا سياسية رغم انها حققت نتائج سياسية بامتياز. ومهما يكن الأمر فان ما يجب فهمه وتعلمه من هذه الثورة الشعبية المباركة هو أن خيار العبودية والحرية هي بيد الشعب وهو المسؤول المباشر عن الوضع الذي يوجد فيه.

بمعنى آخر ان الشعب هو من يصنع عبوديته الطوعية وهو من يصنع حريته لذلك عليه أن يختار بين أن يكون فريسة لوحوش الاستبداد أو ينير درب التحرر فلا يكفي أن تكون لدينا قناعة أننا خلقنا أحرارا بل يجب التجند للدفاع للمحافظة عن هذا الحق الطبيعي في الحرية بكل الوسائل المتاحة لنا ما دمنا نعيش في عالم يتربص بحريتنا الفردية والجماعية وفي ظل سلطة تحولت الى مجرد عدو متوحش يفرط في استغلال الشعب ويغتصب حقها في الحرية عنوة وبطريقة قصدية ومبيتة فان تحرر الشعوب لا يكون بطريقة تلقائية بل عبر حثها على استرداد انسانيتها خاصة وانه مثلما تصنع الشعوب طغاتها هي قادرة ايضا على الاطاحة بهم والتخلص من بطشهم وظلمهم هم وعصابتهم التابعة لهم ذلك انه لا يكفي ازالة الطاغية لنتحرر من الطغيان لان الطاغية في حقيقة الأمر انما يعتلي هرما تسلسليا من الطغاة الصغار الذين يدعمونه بالتملق والكذب والنفاق يتضافر مع زمرة الطغاة ذلك الشعب المنوم الذي يخشى من محاربة الطاغية فيستسلم لهذا الاستبداد عن طواعية وكأن الشعب يتواطأ على نفسه مع المستبد لذلك يمكن ان نقول ان الطغاة الذين يحكمون الشعب ليسوا طاغية واحدا بل ثلاث وهم كالآتي: الطاغية الكبير و الطغاة الصغار الداعمون للطاغية والمستسلم طوعا لهما. من هنا نقول أن الشعوب هي المسؤولة عن وقوعها فريسة للاستبداد كما هي مسؤولة عن صناعة ربيع حريتها متى أرادت هي ذلك وربما لهذا الأمر استجاب القدر للشعب التونسي لأنه اراد حياة الحرية واراد حياة دون طغاة وفي هذا السياق يندرج بيت الشعر الشهير لأبي القاسم الشابي ‘اذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر’ والشعب التونسي أراد التخلص من الطاغية وان يحيا حياة الحرية فاستجاب له.

علينا ان نفهم درس الثورة جيدا ان الشعب هو الذي يصنع حريته أو يصنع عبوديته وعلى كل شعب ان يختار طريقته في الخلاص من نير الاستبداد فهو المخلص لنفسه أما الثورة التونسية فانها مثلما كشفت عن هشاشة الطاغية وجبروته الورقي الزائف فانها أيضا ستكشف الشعوب وتعريها أمام أنفسها وتختبر مدى توقها الحقيقي واستعدادها لخوض مغامرة حريته وتحرره ومدى رغبته الجدية في التخلص من أنظمة الحكم المستبدة خاصة ان التحرر لا يتوقف عند تمني التحرر بل لا بد من التحول من لحظة التمني الى لحظة ممارسة فعل إنجاز هذه الأمنية. وحتى ننجح في ذلك يجب أن نعلم أن غذاء الاستبداد هو الطاعة وبقدر استعداد الشعب لطاعة الطغيان بقدر ما ساهم في مد طول البقاء ويطيل في عمر الاستبداد أما اذا أردتم أن تمحقوا الطغيان وتقضوا عليه كما فعل الشعب التونسي ونجح في ذلك فعليكم ان تسحبوا كلمة السر التالية التي تفشل كل طريق للحرية ‘ الطاعة’ وتستبدلونها بكلمة السر التي ستحملكم لمدن الحرية ‘العصيان’ فلا بد اذن من عملية تطهير نفسي عبر ازالة جبل الركام الهائل الوهمي الذي وضعه المستبد أمام الشعب ونجح في الترويج لعجزه عن اتيان فعل التحرر ودافعا اياه إلى الاعتراف الوهمي بعجزه عن المقاومة والاطاحة بعجائز الاستبداد ورموزه. ان الإيمان بجدية مطلب التحرر والاستعداد للتضحية من أجل تحقيق هذا الهدف واستئصال فوبيا الخوف من صدر الشعب ودفعه لمواجهة مصيره عبر لفظ الطاعة وتبني العصيان والرفض والتمرد هي الشعلة الأولى التي تنطلق بها الثورة الشعبية على أنظمة الطغيان. سلمى بالحاج مبروك شاعرة وكاتبة تونسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية