لم أكن مفتوناً بهمنغواي

حجم الخط
0

لم أكن مفتوناً بـ «همنجواي» كثيراً، وباستثناء «الشيخ والبحر»، لم أقدّر أدبه عالياً. عدم إعجابي هذا، تحوّل إلى نقمة، والسبب هو: هوس زوجتي به. كنت قد تزوّجتُ حديثاً، وقد وسوس لها شيطان همنجواي، أن تستوحي خطط شهر العسل، من حياة أبطال رواياته، قالت إنّ مرتفعات كاليمانجارو تعيش في خيالها منذ الطفولة، وأنّ ما كان ينقصها هو البطل، الّذي سيرافقها، في رحلة الحجّ هذه!اما وقد حضر البطل، الّذي هو أنا بالطبع، فقد أصبح الحلم في المتناول، وكل ما عليّ أن أفعله، هو البحث عن شركة سياحيّة، تنظّم رحلاتٍ إلى كينيا، أو إلى كليمانجارو بالذات!
لقد أشرقت ملامحها، حين زففتُ إليها الخبر، أنّني أتممتُ إجراءات الحجز، وأنّ مكتباً مرتبطاً بالشركة في نيروبي، سيتولّى نقلنا إلى كليمانجارو مباشرة، حيث سنقيم في فندق يحمل إسم كاليمانجارو بالذات!
ومنذ أن وضَعتْ التذاكر في حقيبتها، أطلقت عليّ اسم روبرت، وهو اسمٌ أبغضه كثيراً، لأسباب لا أستطيع ان أسبرها!
طلبَتْ إليّ أيضاً أن أناديها «كاترين»: المُمرّضة الجميلة!
حاولت أن أصحح معلوماتها، فكاترين بطلة «وداعاً للسلاح»، أمّا روبرت فهو بطل «لمن تُقرع الأجراس»، ولكنّها لم تكترث لتصحيحي هذا كثيراً، وأصرّت أن يبقى الأمر على ما هو عليه!
منذ هبطنا في مطار نيروبي، كانت كاترين تتصرّف، وكأنّها تريد أن تستقلّ صاروخاً إلى كاليمانجارو مباشرة، أمّا بالنسبة لي فقد كان فقر إفريقيا وعرقها وبدائيتها، تتمثّلُ حيّة أمام عيني، ونحن ننتقل بالتاكسي، عبر شوارع نيروبي، إلى حيث مكتب السياحة، الّذي زوّدنا بعنوانه مكتب عمّان!
اضطُررنا لقضاء الّليلة في فندقٍ في نيروبي، وغرقت «كاترينا» في النوم، وكأنّها تريد اختصار الليل، لنجد أنفسنا صباحاً، على كراسي الحافلة، الّتي ستنطلق بنا نحو كاليمانجارو!
وهذا ما كان بالفعل، كان طريقاً مُتعرًجاً وطويلاً وهابطاً أحياناً، قبل أن نصل إلى الطريق الصاعد نحو التلال، وهنا فقط تنبّهت كاترينا، ونطق وجهها بالفرح والغبطة، وبالرغم من أنّ الحافلة السياحيّة كانت مغلقة تماماً ومكيّفة، إلّا أنّها قالت:
-هل تشعر بتغيّر الجو؟!هل تحسُّ بتلك النسمات الباردة، الّتي يقشعرُّ لها الجسد؟!ما أجمل أن تتسلّل تلك النسمات إلى جسدك! بعد قليل سنجد أنفسنا محاطين بالثلج!أنظر إلى تلك الغيوم، بعد قليل ستتكاثف وتقترب، وسيمكننا لمسها بأيدينا، ألا تجد ذلك رائعاً؟! لقد وصفها همنجواي وصفاً رائعاً، لقد بقيت على حالها منذ ذلك الحين، كما خلّدها قلمه العبقريّ بالفعل!
لم يتغيّر شيء يا عزيزي، لم يتغيّر شيء، ألا تُحسّ بعبق التاريخ؟! التاريخ: ذلك الشيء المُعتّق تعتُّق الخمر، ذلك الشيء العبِق!
كان الفندق يقبع قريباً من القمّة بالفعل، ويبدو عليه الجمال والعراقة، كانت بعض الغيوم تسبح حولنا في الفضاء المُعلّق حول التلّة، وقد انتشر بعض الثلج فوق الأرض المحيطة بالفندق، ولم يكن بتلك الكثافة، آخذين بعين الإعتبار التغيُّرات المناخية، الّتي طرأت على الكوكب، ولكنّي لم أجرؤ على ذكر ذلك الأمر لكاترينا، إشفاقاً أن أفسد عليها حلمها!
بدا عاملو الفندق وهم يستقبلوننا بحفاوة مبالغ فيها، بملابسهم المُلوّنة، وكأنّما يحيون كرنفالاً، خطر لي أنّ المالك رُبّما يكون مستثمراً إنجليزيّاً أو أمريكيّاً، فهذه هي حال المستعمرات القديمة، لا نصيب فيها لأبناء البلد، ومرّةً أخرى، لم أذكر ذلك لكاترينا، حتّى لا أعكّر صفوها!
ما إن أغلقنا الباب خلف الصبي الّذي أوصلنا إلى الغرفة، حتّى هُرعت كاترينا لتفتح النافذة، لتتأكّد أنّها تطلّ على عالم همنجواي، وعادت بابتسامة راضيّة!
دلَفَتْ إلى الحمّام، وسمعتُ صوت الماء المنهمر على جسدها، ومنحني ذلك شعوراً غريباً بالرضى، وكأنّني تصالحتُ مع عالم كاترين، الّذي لم يكن يملؤني إلّا غيظاً، حتّى تلك اللحظة، الّتي فاجأني فيها ذلك الشعور بالرضى الغامرْ!
خرَجَتْ بقميصٍ مفتوح، وشعرٍ مبتل، تركتْهُ مرسلاً، وكُلُّ ما فيها ينطق بالغواية!ثمّ سارت نحوي حيث أسندْتُ ظهري، إلى مسند السرير الكبير، واضعاً قدميّ الممدوتين، فوق بعضهما! وضعَتْ رأسها بنعومةٍ فوق ذراعي، وأدارت وجهها نحوي، وهمسَتْ: روبرت، قبّلني! للمرّة الأولى لم أشعر بالكراهية نحو الإسم، ولعلّ غضبي قد غرق في همستها المبحوحة من قبل أن ينطلق!
همستُ في أذنها وأنا أستعيد أجواء الرواية، أوذلك المقطع بالذات: كيف حالُ دُمّلُكِ؟!
قفزت كالملدوغة وقد استبدّ بها الغضب: عن أيّ هراءٍ تتحدّث؟!
أجبتُ وأنا مسترسلٌ في تقمُص الدور: أردت فقط أن أطمئنّ عليك ياعزيزتي …قبل أن….
فجأةً شعّ وجهها بابتسامة، أعادت رأسها فوق ذراعي:
– كُلُّ شيءٍ بخيرٍ ياعزيزي! إذا كان هذا ما تقصده!لن يمنعنا شيءٌ من ممارسة الحبّ هذه اللّيلة، فالله وحده أعلم أين سنلتقي بعد ذلك!
في الصباح استيقظتُ، ولم تكن كاتي إلى جانبي، وقلتُ إنّ المجنونة مضت في تمثيل الدور حتّى النّهاية، ورُبّما تكون قد تركتني ورحلت بالفعل، لتسرق حلمها وتمضي به، إلى حيث لا تحاصره أسوار الواقع!
عادت تحمل على راحة يدها بعض الثلج وهي تعبر بقامتها من فراغ الباب الّذي تركتْهُ موارباً، وقد أثلجت عودتها صدري، فبالرغم من أنّها خلطت الأدوار، إلّا أنّ توليفتها نجحت في النّهاية!
لقد وضعت في كأس السعادة شيئاً من العقل، ممّا جعل الأمر كّلّه ممتعاً بالفعل، بعيداً عن تراجيديا الحكاية!

نزار حسين راشد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية