لم كل هذا الخوف من المغرب؟

حجم الخط
0

مولاي التهامي بهطاط ربما يرى فينا جيراننا و’أشقاؤنا’ و’أصدقاؤنا’ أشياء لا نراها نحن في أنفسنا، ولذلك يتهافت الجميع لإطلاق نيرانه على المغرب الغارق في مشاكله الداخلية، المتراوحة بين الفقر والبطالة والفساد.. وغير ذلك مما تشهد به وتزكيه تقارير المنظمات الدولية، حيث يفضل بلدنا أن يجلس إلى جانب الفقراء في ذيل القائمة، بل يسمح… وبـ’روح رياضية عالية’ يحسد عليها، لدول لا تملك من مقومات الدولة سوى الراية الملونة والعملة غير القابلة للصرف والعضوية الشكلية في الأمم المتحدة، بأن تتقدم عليه حتى في المجالات الحيوية من صحة وتعليم.. وهلم جراً.. هذه الخلاصة ليست استمرارا لنظرية المؤامرة التي تعلق كل الإخفاقات على ‘العامل الخارجي’، ولكنها ترجمة أمينة للواقع الذي أصبح يترسخ بشكل يومي، وكأن جيران المغرب الأقربين والأبعدين لا هم لهم سوى استهدافه، سواء كانوا عربا أو عجما.. مسلمين أو مسيحيين أو علمانيين.. أشقاء أو أصدقاء.. إن من يتابع الهمة التي يتحرك بها الجميع، قصد النيل من هذا البلد، لابد وأن يتساءل عن المبرر الحقيقي لهذا التحالف غير المعلن، خاصة أن المغرب فضل الانكماش في ركنه المظلم على شواطئ بحر الظلمات، بدون تطلعات ولا طموحات للعب أي دور مؤثر لا إقليميا ولاعربيا ولا قاريا ولا إسلاميا والأحرى دوليا.«لقد فكرت طويلاً، وقلبت الأمر على كافة الوجوه، فلم أجد ما يستدعي كل هذه العدائية سوى أن جيراننا وأشقاءنا وأصدقاءنا يقرأون تاريخنا أفضل منا، ويعتقدون – عن حق أو عن مبالغة – أن المارد المغربي يمكن أن يستيقظ في أية لحظة.

هذه الحقيقة تظهر واضحة في طريقة التفكير الإسباني مثلا، حيث استقر في لاوعي الجميع في الجارة الشمالية أنه على مر التاريخ كان مضيق جبل طارق معبرا وممرا للمحتلين والفاتحين، وأن استقراء مختلف المراحل المعروفة من تاريخ هذه البقعة من العالم يؤكد أن غصن الزيتون لم يجسر الهوة بين القارتين الافريقية والأوروبية، لأنه إما أن تعبر جيوش الشمال نحو الجنوب أو أن يحدث العكس… وهذه حقائق يمكن الاطلاع عليها بيسر وسهولة في مختلف المراجع والمصادر التاريخية، كما تقف شاهدة عليها المآثر والمعالم التي خلفها أجدادنا في الضفة الشمالية أو تركها أسلاف جيراننا الشماليين.. في مدننا الساحلية على وجه التحديد.

ولهذا لا يخجل الإسبان من التصريح بأن استراتيجياتهم الأمنية والعسكرية والدفاعية تنطلق من كون الخطر لا يمكن أن يأتي سوى من الجنوب.. ومن المغرب تحديداً.. وهذا ما يفسر أيضاً امتناع إسبانيا عن الخوض في أي حوار حول سبتة ومليلية المحتلتين منذ أزيد من خمسة قرون، لأن الساسة هناك يعرفون أن ارتفاع العلم الإسباني فوق جزء من التراب المغربي هو مؤشر على استمرار رجحان كفة الشمال على الجنوب في هذه المرحلة التاريخية على الأقل.. قد يبدو هذا الكلام مجرد ‘هرطقة’ أو ‘سفسطة’ أو ‘أحلام يقظة’.. لكنني شخصيا أعترف بأنني لم أجد أي تفسير منطقي لكل هذا العداء الإسباني المستحكم سوى وديان الدماء التي جرت في الماضي بين البلدين، والتي لم يمض وقت طويل على آخرها.. فحوالي مئة سنة التي تفصلنا عن معركة أنوال، لا تمثل شيئا في حياة الشعوب وذاكرتها الحية والمجروحة.. وإلا كيف نفسر إصرار بعض الإسبان على دعم الانفصال جنوب المغرب، رغم أنه كان أولى بهم دعم انفصال بعض الجهات الاسبانية إذا كان ‘تقرير المصير’ مسألة مبدأ بالنسبة إليهم.. ونفس التفسير يمكن أن ينطبق على جيراننا الشرقيين أجمعين من واد إيسلي إلى الخليج ‘الفارسي’، حيث ورث المشارقة عقدة المغرب ‘المتمنع’ عن أسلافهم.. وأسلاف أسلافهم.. فكل الامبراطوريات التي حكمت الشرق العربي، وقفت في أحسن الأحوال على مشارف مدينة وجدة، وهي الحقيقة التي جعلت ‘باحثا’ عراقيا يدعي مؤخرا في تركيا أن المغرب خضع بدوره للخلافة العثمانية، وهو كلام يدخل ربما في إطار مجاملة مستضيفي الندوة، أكثر منه في إطار البحث العلمي، خاصة أن صاحبنا لم يجد دليلا على ادعائه ذاك سوى استمرار المغرب في استعمال ألقاب من قبيل ‘الباشا’ وهو تحليل إذا اعتمدناه، فيمكن أن نعلن أن بعض قرى الأطلس المتوسط خضعت للاحتلال الإيطالي بحكم أن كثيرا من العجائز هناك مازلن يسمين المطبخ بـ ‘الكشينة’.. وهذه العقدة لازالت مستمرة، بل وتكشف عن نفسها بين الفينة والأخرى بشكل فاضح، حتى من طرف ‘النخب المفكرة’ التي نادرا ما تعترف بالإبداعات المغربية، بل يكون من المفاجئ أحياناً أن تجد مثقفا مشرقيا يعرف شيئاً عما أنتجه المغاربة من باب الاستعلاء وليس من باب الجهل، بل’إن كثيرا منهم يفاجأون حين يطلعون على بعض الكتابات المغربية، ولا يصدقون أن شعبا ‘مفرنسا’ يمكن أن يقدم أية إضافة للفكر العربي.. بل أكثر من ذلك، هناك دائما حاجز تاريخي يتضح مثلا من خلال عدم اعتبار كثير من المؤرخين معركة وادي المخازن حربا صليبية، لأنه بالنسبة لكثير من المشارقة القدامى منهم والمعاصرين، المغرب ليس دار عروبة أو إسلام، وبالتالي فالحروب التي خاضها ضد جيرانه الشماليين’في مراحل تاريخية متتالية لا يمكن اعتبارها ‘فتوحات’، وإنما مجرد ‘مواجهات عسكرية’ ذات خلفيات سياسية أو اقتصادية أو جيو استراتيجية، حتى لو كانت نوايا الصليبيين واضحة ومعلنة. وأكثر من ذلك كم من المصادر التاريخية المشرقية تشير مثلاً إلى الدور المغربي الحاسم في انتصار صلاح الدين الأيوبي في حروبه على ‘الفرنجة’؟ ومن يذكر أصلاً أن الأسطول المغربي كان له دور فعال في توفير الدعم البحري للقوات البرية التي زحفت على فلسطين؟ ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن كتاب ‘النبوغ المغربي في الأدب العربي’ في حد ذاته، جاء ليكشف وجها من الحيف الذي تعرض له العلماء والمبدعون المغاربة من طرف زملائهم المشارقة لأسباب غير مفهومة.

لا أقصد هنا الوقوف للتباكي على ‘ظلم ذوي القربى’، بل لأتساءل عن سر استنكاف المغرب من التعريف بتاريخه.

ولا أقصد هنا تشكيل هيئات مختصة في كتابة التاريخ، ولا تنظيم ندوات لمائها ومرعاها التي يتقاطر عليها ‘ذباب’ الثقافة من كل حدب وصوب، بل أقصد أولا تمكين التلميذ المغربي من اكتشاف الجوانب المضيئة من هذا التاريخ، قبل الانتقال إلى ما هو أعم وأشمل.

مرة أخرى أؤكد أن الدراما التلفزيونية يمكنها أن تحقق الكثير، فمن يتابع ما تبثه الفضائيات العربية خلال رمضان من مسلسلات عن حركات التحرر الوطني، أو عن شخصيات تاريخية لها مكانتها في الوجدان الشعبي في هذه الدولة أو تلك، وما تحظى به هذه الأعمال من متابعة واسعة، لابد أن يتساءل عن سر غياب المغرب عن هذه الساحة.. لا أظن أنه الزهد في التعريف بالتاريخ، بل هو التواطؤ على طي الصفحات المشرقة والخالدة.

حين أتابع ما تعرضه بعض الفضائيات عن تاريخ وهمي، لأبطال من نسج الخيال في ‘حواري’ دمشق، أو عن ‘باشوات’ مصريين قاوموا ‘الانتداب’ البريطاني عبر البيانات والخطب واحتلال المناصب الحكومية، أشعر بالشفقة لأن الجميع يحاول أن يصنع مجدا من لا شيء، بينما المغرب يتوفر على رصيد تاريخي يمكن أن يُلهم الكتاب والمخرجين لإنتاج مئات المسلسلات سنويا، ومع ذلك هناك إصرار رسمي على عدم الخوض في أي شيء له علاقة بالتاريخ اللهم إلا إذا كان من عينة ‘جحا’ أو ‘الدويبة’.. لا أدري كيف نفسر إقبال المغاربة على متابعة مسلسل ‘باب الحارة’ الذي استغرب حتى أحد الصحافيين اللبنانيين كيف أن قائد المقاومة فيه ‘قهوجي’ ورث الزعامة عن ‘حلاق’، في الوقت الذي نعلم فيه أن قادة المقاومة في المغرب، سياسية كانت أم عسكرية كانوا من خريجي جامعتي القرويين وبن يوسف، وغيرها من المعاهد الفرنسية، بل إن المغرب هو البلد العربي الوحيد الذي خضع أقصر مدة للاحتلال، الذي لم يخمد جذوة المقاومة مؤقتا – سوى سنة 1935، واضطر للمغادرة عقدين بعد ذلك تحت الضربات الموجعة لجيش التحرير، بل إن المغاربة قتلوا خلال معركة أنوال وحدها من قوات الاحتلال أكثر مما قتل الجزائريون خلال ثورتهم التي امتدت قرابة عقد من الزمن.. الإشكالية إذا تتمثل في غياب الإرادة الحقيقية لدى صناع القرار في المغرب، لأن هناك من يريد سجن البلد في إطار صورة فلكلورية، وكأنه مجرد عابر سبيل في تاريخ منطقته.

ولا أدري لماذا لا يحتج أحد مثلا على قنوات التلفزة الفرنسية العمومية التي لا ترى في المغرب سوى مظاهر التخلف التي لم تنفع سنوات ‘الحماية’ في محوها.

فمن شاهد مثلاً البرنامج الذي عرضته القناة الفرنسية الخامسة مؤخراً حول تأثير التغيرات المناخية على المغرب، لا شك أنه اكتشف حجم الحقد والغل الذي يحمله ليس فقط أحفاد المحتل السابق، بل ‘مساميرهم’ التي غرسوها قبل المغادرة، والتي تمنح تصاريح التصوير لإنتاج برامج لا تنقل الواقع كما هو، بل ‘تحسنه’ بما يقتضيه المقام لتقديم المغاربة كهمج يعيشون خارج التاريخ.. أتمنى ختاماً، أن تقع مجموعة أخطاء، يصل بمقتضاها إلى مواقع المسؤولية والفعل والقرار، مغاربة يحملون هم البلاد والعباد.. وأقول ‘أخطاء’، لأنه صار في حكم المستحيل أن يقود التعيين أو الانتخاب في هذا البلد إلى وضع الرجل المناسب في المكان المناسب.’ كاتب من المغرب[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية