ما زلت أتغنّى بما حفظته من الشعر العربي، أقصد بأبيات من قصائد وليس قصائد كاملة، كما كنت أفعل في ما مضى. ذاك لأن ما كنت حفظته تضاءل مع انقضاء السنوات. كما أنني لم أعوّض ذلك النقصان بحفظ قصائد جديدة، أو إنني، على الأغلب، حفظت أبياتا متفرّقة أهداني إليها أصدقاء الشعر، الذين بدورهم باتوا قليلين. مضى زمن الحفظ إذن، أقصد أيام ما كنا نقرّر أن نحفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر..» في يوم واحد. بعد النجاح في البكالوريا تتوقّف تلك الحمّى، حمّى الحفظ. صار علينا أن نحافظ على آلاف الأبيات التي حصّلناها، معتبرين أنها تكفينا. أقصد تلك الأبيات التي ترجع إلى العصور العربية المتدرّجة من العصرالجاهلي إلى عصر الدويلات، وطبعا مع زيادة شعراء آخرين مثل أحمد شوقي والأخطل الصغير وإيليا أبو ماضي، رغم أنهم عاشوا وكتبوا في القرن العشرين، إلا أنهم ظلّوا ينسجون على منوال سابقيهم، شعراء العصور.
بعد هؤلاء الأخيرين جاء الشعر الحديث معفيا إيانا من حفظ قصائده، وهو يزداد تمنّعا على الحفظ كلما أوغل في حداثته.
ابتداء من مطلع سبعينيات القرن العشرين بدا الشعر القديم العامودي، كأنه لم يعد يعجب أحدا. قليلا ما صرنا نتذاكر به في السهرات، حيث حلّت محلّه قصائد لشعراء غربيين بدأوا مذ ذاك حقبة انتصاره على كل ما نجيء به من الماضي. أذكر أن أحدهم تساءل مستكبرا، على هامش ندوة شعرية، مَن هو المتنبي؟ وإذ بدا أن الحملة مستمرّة أقفلنا على مئات، بل آلاف الأبيات التي كنا حفظناها. ذاك أننا، إن عدنا إلى استعمالها في السهرات، سنُنعت بالعتق والقِدم. ودائما أجدني ذاكرا السؤال الذي فاجأني به الشاعر حسن عبدالله، يوم كنا جالسين وحدنا في كافيتيريا كلية الآداب: «هل فكّرت ماذا سنفعل بكل هذا الشعر الذي حفظناه؟
حتى إننا لم نعد نُطرب أحدا من الماشين معنا، حين نترنّم ببيت أو بيتين خطرا لنا. لا يتأسى المتمشّي حين يوحي ما نقوله بالتأسّي، ولا يرى أن غزَل ذاك الزمان، إن كان ما خطر لنا الترنّم به بيتا غزليّا، يحرّك شيئا من مشاعره. ثم إن أحدا من معارفنا، القليل العلاقة بالشعر، لم يعد يتصل بنا هاتفيا، كما في السابق، ليسأنا ما هو الشطر الثاني من بيت البحتري «صنت نفسي عمّا يدنّس نفسي». وحين نجيب المتّصل، بنبرة قريبة من الإلقاء المفخّم، تطلع أصوات من حوله تعبّر عن فوز من أصابوا وانتكاس من أخطأوا.
أما الباقي الذي ما زلنا نحفظه فيعمل غوغل على التخلّص والتقليل من فائدته. ما كان يسأله أولئك المتشارطون في السهرات، باتوا يسألون غوغل عنه.. «هاتوا لنشوف غوغل شو بيقول»، يقترح أحدهم في اللحظة التي تكون يده قد فتحت هاتفه وبدأ هو بطرح السؤال. حتى نحن، حفظة القصائد، بتنا نرجع إلى غوغل لكي نسأله عن بردة البوصيري، بعد أن كنا رجعنا إليه قبل عشرة أيام ليمدّنا ببردة أحمد شوقي مقارنة ببردة كعب بن زهير. كانا اثنين على الشاشة، هما أنس الدغيم وحافظ آخر للشعر أخذا ترداد القصيدتين كأنهما، لشدة الحفظ، يحاولان مقارعة غوغل. أقول إننا كنا نحفظ الأشعار في أيامنا، لكن ليس بقدر ما حفظه هذان الرجلان. ثم إننا، في أيامنا، كنا نخطئ بتحريك الكلمات أحيانا، أو نرتبك في إبقائه على وزنه، حسبما صنّف الخليل بن أحمد الفراهيدي. أما هما، الاثنان، فلم يخطئا مرة واحدة في هذا أو ذاك.
ربما ساعدهما على ذلك كونهما وُجدا في زمن غوغل، وإن كانا قد جاءا من خارجه، أو جاءا ضدّه. في أحيان نشاهد في فيسبوك ما يشبه المباراة في التذكّر: بيتان من هذا وبيتان من ذاك، هكذا بالتوالي السريع بما يشبه انتقالات كرة البينغ بونغ على طاولة. وفي أحيان نشاهد استعادة للمواجهة الشعرية بين تميم البرغوثي وأنس الدغيم، أو نشاهد فيديوهات مسجلة للجواهري وهو يلقي قصائده، أو مقطّعات منها، أو يظهر شعراء جدد، في عمر الشباب، يخطبون بشعر موزون ومقفّى إلخ.. فنروح نتساءل كيف عاد إلينا الشعر العمودي على غفلة منّا.
نحن الذين كنا نظن أن وسائط الاتصال الحديثة ستزهق ما تبقى من حمولة الماضي ها هي ترافقه وتسير جنبا إلى جنب معه، حتى حين كتابة هذه السطور كان عدد متابعي صفحة أنس الدغيم قد بلغ العشرين ألفا، أما من شاهدوه فناف عددهم على المئة ألف. ليس هذه كثيرا إن قارنّاه مع من يتابعون نجوم الغناء والطرب، لكن يجب ألا ننسى أننا نشهد تاريخا ينهض من كبوته.
كاتب لبناني