يكثر المداحون والمطبلون والمزمرون لأصحاب السلطة والمسؤولين في حياتهم، ولكن قلة قليلة هم الذين يقف الناس من ورائهم وقفة حق ويشهدون لهم شهادة صدق ويثنون عليهم بما يعلمون من خيرهم وفضلهم بعد مماتهم، في وقت أصبحت السلطة مقترنة بالفساد ولا ينجو من أوحالها الا اولئك الذين يتخذونها سلما لخدمة الدين والبلاد والعباد. تحزن الأرض والسماء لفقد الصالحين ويهتز عرش الرحمن لموتهم، كما حصل مع الصحابي سعد بن معاذ، ويُفتح جدار الفتنة بعد استشهاد عمر بن الخطاب، وتضيع القدس بعد وفاة صلاح الدين، ويتمكن الصهاينة منها بعد وفاة السلطان عبد الحميد، وتثور مصر كلها لنفي عالمها المعز بن عبد السلام ويخرج النساء والرجال وراءه حتى ما يبقى أحد فيقوم السلطان يركض خلفه ليرجعه ويرجع الرعية معه في عهد كان العلماء فيه قادة المجتمع والجهاد، وكان العامة يحتكمون ويعملون بإمرتهم وفتاواهم بمن فيهم الملوك والأمراء ولا عالم صادق الا ويعرض له من الفتن من دنيا وجاه ومال وحظوة مما لا يُرد الا بتأييد رباني ومتانة في الخلق والدين. نستذكر هذه المعاني بوفاة شيخنا الدكتور نوح القضاة الذي ترحم عليه قلب كل من سمع بخبر موته ودعا له بالمغفرة والقبول وشهد له بالخير شهادة تذكر بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم ‘مُرّ بجنازة فاثني عليها خيرا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فاثني عليها شرا، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: وجبت وجبت وجبت، قال عمر فدى لك ابي وامي، مر بجنازة فاثني عليها خيرا، فقلت: وجبت وجبت وجبت، ومر بجنازة فاثني عليها شرا، فقلت: وجبت وجبت وجبت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، ومن اثنيتم عليه شرا وجبت له النار، انتم شهداء الله في الارض، انتم شهداء الله في الارض، انتم شهداء الله في الارض. وفي ذلك قال الامام النووي: وللعلماء في معنى الثناء قولان: احدهما: ان الثناء بالخير لمن اثنى عليه اهل الفضل، فكان ثناؤهم مطابقا لافعاله، فيكون من اهل الجنة نستذكر هذه المعاني لشيخنا نوح القضاة الذي عرفناه بأياديه البيضاء في خدمة الشرع وصموده في وجه القوانين الوضعية التي تتحايل على الشريعة، وقولة الحق ولو كان ثمنها الخروج من السلطة والتضحية بكرسي قال فيه أحد الأمراء الصالحين عندما هنأه أصحابه بالإمارة: إنه كرسي من نار، ورعية لا ترحم وحساب عسير عند الديان، وإيثاره رضى الله وقبوله ولو بسخط الناس فكسب مرضاة الله الذي جمع حوله القلوب وكتب محبته في أهل الأرض أيام معدودات بين خروجه من المنصب ومرضه، ولكنها أيام مشهودات بإذن الله بقيت له في صحيفته عند الله لتضيء له يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من أتى الله بقلب سليم، ايام معدودات مشهودات بقي فيها صامدا يصبر نفسه مع الحق وأهله وخرج منها نقيا، نحسبه كذلك والله حسيبه رحمك الله يا شيخنا وجبر الله خاطر الأردن وخواطر الأردنيين بعدك بالخيرين الصالحين المصلحين من أمثالك، وندعو الله أن يجعل لك لسان صدق في الآخرين، ويجعل لك أتباعا على طريقك يقتدون بهديك ويسيرون على نهجك. د. ديمة طارق طهبوب