محمد كتيلة الخوف على البلد، ولا على شئ سواه، ولا شئ يعلو، والقاتل مهما أوغل وأمعن في إحراق وتدمير سوريا وتشويه الضحية بعد قتلها وتصفيتها بطرائقه الوحشية الدموية التي تعدت الوصف والخيال، لن يفلت من العقاب ولن ينجو، وهذا هو، وما كان يوماً غير ذلك، بدايته مثل نهايته وما خفي أعظم..الخوف إذاً، ودائماً، والآن وهنا، وفي زمن هذا الموت المزدحم بالضحايا واليتامى والثكالى والسبايا، وبالذين شردوا عن ديارهم ووقتهم وأحوالهم وعذبوا وهجروا، وفي خضم هذا القصف الغرائبي العجائبي الوحشي العنيف المخيف، براُ وجواً، والذي يحيل الأرض وما عليها من أخضر وماء وبشر وهواء، إلى رماد وبقايا عظام ُتعلق على أوتاد الذاكرة، منذ آذار الأول وآذار الثاني على مدار الساعة الحجرية، وفي هذه اللحظات المرعبة الشقية المتعبة، وفي الغد الساكن في الإنتظار إلى ما بعد الإنتصار، وفي ساعة الحسم الأخيرة على البلد، وما ستفضي إليه لحظات الحرب الجائرة… الخوف، وكل الخوف على البلد وكل البلد، وعلى من غابوا وغيبوا في الثرى، وفي بطن الوحش، وفي معتقلاته والسجون… الخوف والفزع، على من ولد من رحم أمهات الأرض، وقبل أن يسمى بإسمه، وعلى من لم يولد بعد.. وما أجمله من بلد قدَّ من حروف السوسن والسماء والسمندل، وترعرع مع الضوء القادم من زمن الفل والياسمين، وخفة أجنحة الدوري والحساسين، في ترطيب أجواء مساءات السهر الطويل، تحت أشجار التوت الشامي والتفاح السكري في سهول مضايا وبلودان والزبداني، والرمان والنانرج والجوز الأخضر، وداليات العنب الحلواني والزيني والدوماني … الخوف على ُجبلة البلد، الذي تدلى ومنذ آلاف السنين، من شرفات العز والحب، ومن سقف السماء الأولى، المرصعة بتيجان التسامح وصولجان المحبة والكبرياء، والألفة ورياض الفل وزهرالنسيان… البلد الذي سيبقى هو الأجمل والأمثل، في ذاكرة صخرية ُيعمر فيها الصندل والسنديان والإنسان الأول منذ الأزل… المدلل المغناج، الذي لا يصحو ولا ينام، إلا في ظلال الورد الجوري والبنفسج والعوسج وشقاشق النعمان… الخوف، كل الخوف وما بعده خوف، على ربوة القلب، عشبة الروح، ملتقى الأحبة والعشاق، بين تنهيدة الغوطتين وبحرها الأزرق، المعلق بين السماء والضوء، كوجه طفل ملائكي ينام ويضحك، في قلب سحابة صيف وغيوم الشتاء الطرية… الخوف يكبر ويتعاظم ومن ثم يكبر ويكبر،على هذه الجنة الأرضية السماوية، من الضياع والتصدع، وزلزلة الحنين والشوق إليه، وليس ممن خافوا وارتعدوا من أطفال درعا…ولا من الذين هربوا من الخوف وابتعدوا، وصاروا في آخر الدنيا وقالوا: يا رب نجنا من الموت الماحق الساحق هذا أو أرسل لنا من وراء البحار من ينجينا!! الوقائع تكبر والوطن مسجى على أهله المنحورين، ويد الجلاد تحز الرقاب وتبقر البطون، وبراهين الخراب والدمار،على مد النظر وتكتكات ساعة القيامة، تؤكد خوف النظام الذي لا يبالي، ورعبه الذي لا يوصف، ولم يعد باستطاعته أن يداريه عن أعين ضحاياه، ولا أن يخفيه خلف جنازير الدبابات والمدافع التي تحرث القرى والمدن، وما يتحرك عليها من أفراد وجموع، وأينما كانوا وعلى أية بقعة من الأرض ولدوا وصاروا، وأي هواء تنفسوا وأي ماء شربوا… وما لا تستطيع أن تخفيه الأرض توضحه السماء، فالمروحيات تتنزه فوق البيوت ليل نهار، تخطف الأبصار والأعمار، بضربات قاطعة قاتلة، تهدم الرؤوس وتقطع الأجساد، تقلع الأشجار وتسلخ جلد الأرض وتهرس عظامها، تتابع بخفة ونشاط غير مسبوق، يقظة ونوم البشر، وتطارد أحلامهم في غرف النوم والخيام والملاجئ، والحفر والمقابر، وطائرات الصيد الحربية تدور مع دوران الأرض بلا توقف، تتصيد الأحياء المنكوبين وأشباه الأحياء، ضحية إثر ضحية، وفرادى وجماعات، وكل الذين يرزقون من هتاف الحرية والخلاص، بسبب حبهم للوطن ودفاعهم المستميت وصمودهم الأسطوري. الوقائع المقيتة على أرض الفجيعة تكبر، وقبل كل مجزرة وبعد أي مجزرة، والأيام المعتمة تجر خطاها المتثاقلة، تبحث عن سراب ضوء بين زحمة الضحايا المتتالية والمتعاقبة، ولا شئ يصغر، ولا شئ يبقى فيهم وفينا سوى هذا الأمل المتواصل والخوف المتأصل على البلد، وعلى الشعب الرهينة الضحية … منذ بدء إنقطاع حبال الخوف الواهية، هوت هيبة النظام وانكسرت … تطايرت شظايا ونتف من صور وتماثيل، تبعثرت في الفضاء الحر الجديد، تبخرت، ُحطمت أسوار العرش وديست وجوه الديناصورات المتكلسة تحت أقدام الأطفال قبل النساء والصبايا والشباب والرجال، وذهبت مع الغبار ودخان الحرائق إلى أبد الآبدين…. وبناء على هذا البدء الذي لا ينسى ولم ينته بعد، بان قوس قزح الأمل في سماء وجوه البشر في سوريا لأول مرة، وابتدأت شارات النصر تتلألأ على أصابع الضحايا وفي سيلان الدم، في الساحات والخرائب، وفي كل زاوية وشارع..، ولو دارت الدنيا على حالها وزلزلت الأرض كما هي الآن، ورجع التاريخ أدراجه إلى ما وراء البدايات الأولى، لن يفلح النظام/اللانظام البائد أن يكون كما كان، ولن يفلت من الذاكرة العصية على النسيان. الخوف على البلد الذي سيبقى سبيل المسافر والمهاجر من كل جهات الأرض، وسلسبيل اللاجئ والمنفي والمحب والكاره والقريب والبعيد… خوف يفتت العقل، يجرك مكرهاً إلى أماكن عمياء مقفرة لا تخصك في شئ ولا ترضيك، تتوجس منها ومما يصاحبها من نزوات قهر ونفور وغضب، ويدنيك من قلق يدميك بالشقاء ويرميك على قارعة الأيام، كغريب ومشرد ومطارد، ناهيك عن تعاظم العذاب والحرقة والألم الدائم المستمر، في نواحيك وأقاصيك، ما دمت حياً والشاهد الوحيد على نحر وطن، يعيش في داخلك أكثر مما هو في خارجك… خوف يكبر، يتسع ويتجدد مع كل طلعة فجر محترق، يهز المفاصل والأعصاب، يرج جدران القلب، ينشف ينابيع الروح على أعز وأغلى ما في بلاد الشام وأهلها، وليس ممن يدمرعراقته وتاريخه وأجمل مما فيه من فنون وقلاع وحصون وأوابد وإنسان متعدد الوجوه، بقلب واحد متحد، وروح إستثنائية عصية على الزوال، ولا من الذين يحرقون البلاد كلها، ويقلبون حجارتها وأشجارها، وبيوت أهلها بالعنجهية والغطرسة والجنون الأعمى… يستشري الخوف في الأبدان الحائرة، وفي النفوس الملتاعة، من زوغان الغد في حاضر يُحشر ما بين المقابر وفوهات العدم الكحلي الذي يحلق بأجنحته المعدنية الثقيلة، فوق جسد الوطن وترابه، وفي عيون من تبقى من المفجوعين بمشاهد الخراب الواعد بالقيامة وفرفطة الأهل، بعد تشريدهم وتعذيبهم وإحالتهم على الغياب…الخوف يجري في مجرى الدمع ودفيئة القلوب وذرى الروح التي تأكلها النيران شيئاً فشيئاً ولحظة بلحظة… والذهول يمتقع بأسود الدخان ورماد الدمار والحرائق وأحمر الأجساد المرمية كأعقاب السجائر في عتمة الطرقات، على أصوات القذائف التي تعبِّد الأرض بدماء وأجساد الأبرياء….وهذا الخوف أصيل وفريد ومميز، يعيد الإنسان إلى أحضان أصالته وبراءته، إلى دروس الحياة الأولى: الكرامة العدالة والحرية، بعيداً عن تعاليم السياسة الغائمة.. يمنحه فرصة اللقاء مع النفس المغربة وحوارها بحرية شفيفة، تحفز عل اتخاذ موقف لا يستهان به، من عدو الإنسانية، وعدم الركون أو الوقوف على الحياد، تقربه من التعرف على ذاته بحميمية وألفة، تدفعه على إستعادة نشاطه وحركته في الحياة، فالوطن لا يتجلى إلا بذكرياتك عنه، وما تحمله هذه الذكريات من تسلسل متناغم في العواطف والمشاعر مع بقية البشر، من أهل وأقرباء وأصدقاء وجيران، وما تفضي إليه من فضاءات تمنح الهوية إسمها ومرتكزاتها المتعلقة بشؤون الوطن في الماضي والحاضر، وما يجب عليه أن يكون في المستقبل. فإذا ما انقطع شريط الذكريات، لايبقى في الذاكرة لاوطن ولا إنسان، وإذا ما تقطعت الذكريات وشوهت، تفقد ذاتك وتختفي ويختفي معها شهيتك للحياة، إذ ما معنى أن يتحول مكان الولادة وحديقة البيت إلى مقبرة، والمدرسة إلى مكب للنفايات، وما معنى أن يؤدي بك الطريق إلى الوطن، إلى نهاية الوطن وليس إلى بدايتة، بدايتك كإنسان ترفض الظلم والقهر والجور والإستعباد… أما خوف الذين لا يتورعون عن تصفية الحياة في عروق البلد وشرايينه، فهو مختلف ولا يأتلف مع خوف الخائفين على حاضر ومستقبل البلد، هؤلاء الموكل إليهم بتفويض من الشيطان، بتشريح معنى الأبد وعلى الملأ، واختصاره بحاضر دامي وممزق، يغطي كافة التفاصيل اليومية، وعرضه في شكله النهائي، لتصبح الحياة خارجة عن المألوف، واشتهاءات الناس الواقعة تحت خط النار والفقر والجور والحرمان والإرهاق والتعب… ما يهمنا هنا، والآن وغداً، رغم الدم وأنوف الأعداء من هنا وهناك، الذين تطاولوا كثيراً على البلد، وصمتوا ما طاب لهم عن جراحاته وعذاباته، وحاولوا تقسيم تضاريسه إلى وهاد وشعاب وجبال وأودية، لا تشبه سكانها، فما وجدوا غير البطولات والصد والرد، وكفاح شعب واحد لا يشبه إلا نفسه، ولا يزال إلى الآن يردد على مسامع الطاغية الباغي والعالم، ترنيمتة الأبدية، وتعويذته التي لا يستغني عنها، لطرد الشر ووقف العنف وكف البلاء الضاري، من عدو مارق وغريب، تفوق على جيمع الأعداء في النذالة والخسة: لم يعد لدينا ما نخاف منه بل ما نخاف عليه: الوطن.’ كاتب فلسطيني يقيم في كندا