علي الرغم من هزيمة فتح المشينة في قطاع غزة عسكرياً أمام حركة حماس، إلا أن تلك الهزيمة كانت، حقيقة، لصالح الشعب الفلسطيني في أمور عدة، أهمها أن حالة الترهل التي كانت علي مدار ثلاثة عشر عاماً في السلطة الوطنية الفلسطينية والتي أدت إلي تذمر شرائح كبيرة من الشعب الفلسطيني نتيجة هيمنة كبيرة لعبت عليها فئة قليلة ممن كانوا أو إعتبروا أنفسهم قادة لحركة تحرر فلسطينية ورأس حربة لمنظمة التحرير التي تعتبر السقف الطبيعي والرسمي للشعب الفلسطيني وفصائله، وأمسكت بزمام الأمور في الشارع الفلسطيني، هي الآن محل إتهام الشارع الفلسطيني لها بشــــكل مباشر بعد أن كان المواطن لا يجرؤ علي إتهام أي منهم، هذا الأمر لا يـــــقل أهمية من الجانب النفـــسي عن الرؤية الواضحة للقضية الفلســــطينية التي باتت علي المحــــك وتصدرت مباحثات زعماء العالم من المشرق إلي المغــــرب، ناهـــيك عن كشف المتخــــاذلين الكثر الذين كان يعتمد عليهم الرئيس الفلسطـــيني كجبــــهة حمــــاية أولي للمشروع الوطني الفلسطيني لمرحلة ما. من المؤشرات عما نقوله أن محمد دحلان الآن يتم التحقيق معه من خلال اللجنة التي أشار إليها الرئيس أبو مازن، وهو ما كان في عداد المستحيل، بل يعتبره البعض من علامات الساعة التحقيق معه، ناهيك عن إقالة رشيد أبو شباك وغيره من قادة فتح، وهو ما يعني بالنسبة لنا كشعب فلسطيني، هو بداية التصحيح في حركة فتح بشكل خاص وفي المؤسسة الفلسطينية متمثلة بالسلطة الوطنية بشكل عام. أما علي صعيد حركة حماس، فإن ما حصلت عليه من إنتصار إعتبرته هي بمثابة التحرير الحقيقي لقطاع غزة، سيكون لها درساً قاسياً في تعلم السياسة إذا ما فكروا بهدوء بعد أن جاءت الفكرة وذهبت سكرة النصر المبين، فحماس أخطأت بكل معاني الخطأ بحق المؤسسة العسكرية الفلسطينية، التي طالما حاولت تحييدها عن النزاع بما تسميه بينها وبين تيار دحلان الخياني، إلا أنها أرغمت المؤسسات العسكرية كافة بالدخول في النزاع ضدها، وهو ما يعني معاداة أو رفض مئات الآلاف من الأسر الفلسطينية للحركة الإسلامية وللنهج الذي سلكته، والتي من المفترض أن تحل كما هي معتقدة بسماحة الإسلام وطهارته محل ما تسميهم بالأنجاس، إلا أن الأيام تكشفت تماماً وظهرت كما غيرها، حركة تتبع أجندات خارجية كما فتح وباقي الفصائل الفلسطينية، وليست حركة كما تقول ربانية أوجدها الله بعد إنتهاء عصر النبوة، وإلا لرأينا أحدهم إدعاها علناً. وكما الفائدة لنا كشعب ولحركتي فتح وحماس، فإنها أيضاً لإسرائيل التي من المفترض أنها رصدت كافة التحركات للمطلوبين من القادة العسكريين الفلسطينيين كأبناء القسام مثلاً، وهو ما عجزت عنه لأعوام عدة هي وعملاؤها، بالإضافة إلي معرفتها طرق أساليب الهجوم الفلسطيني ومدي فاعلية أسلحتنا التي تصنعها الأيادي الطاهرة الفلسطينية، فقد أخطأت حماس إستراتيجياً حينما كشفت قدرتها العسكرية لإسرائيل في وقت لم تتحرر بلادنا بالكامل وفي وقت لا يزال الأقصي يئن تحت وطأة اليهود وينتظر من يحرره. اذاً، قد تكون حركة حماس عملت خيراً فينا كشعب من هذا المنظور الضيق، بينما قسمت الشعب لشعبين والوطن لوطنين والحكومة لحكومتين، وما تبقي غير القدس الشرقية أن تتقاسموها إذا ما وافقت إسرائيل علي إعطائها لنا بالحوار الفتحاوي أو المقاومة الحمساوية، فكيف السبيل للخروج من هذا المأزق… رغم الجرح النازف من مئة وسبعين مواطناً راحوا في غمرة الحدث الحمساوي، فإن الحوار الداخلي لا بد أن يستكمل، حتي لو كانت الضغينة متوفرة وبقوة في الطرفين، حماس وفتح، وان يكون دوراً هاماً للدول العربية خاصة الفاعلة منها، والمقصود هنا مصر والسعودية والأردن بالإضافة إلي سورية، لتوفير قاعدة شبه سلمية يتم من خلالها إيــــجاد لغة حوار مشتركة بين هاتين الفصيلين، كي لا تتكــــرر المأساة مــــرة أخري، وكي لا نـــــري دماءً وظـــــلاماً دامساً يحصد ما جنته حماس في شهرها الأخير، ويقتلع فتح من جذورها التاريخية، وليبدأ الرئيس أبو مازن بتنظيف الحركة الأم من شوائبها العالقة فيها دون تردد، ولتبدأ حماس بإعادة الحياة الطبيعية لغزة دون رعب وخوف للمـــــواطنين، ودون سياسة التضليل وتكميم الأفواه، ففتح دائماً وأبداً أعطت الحرية لكل الفصائل في التعبير والنقد، ولحماس كان لها نصيب الأسد في ذلك، وإلا لما وصلت هذه الحركة لما هي علــيه الآن لولا ديمقراطية فتح. يوسف صادق [email protected] 6