لندع الأشياء تفكر بدلا من أن نفكر بها: الفنانون الجدد صيادو معان تنطق بلغة حضارة غائبة
فاروق يوسفلندع الأشياء تفكر بدلا من أن نفكر بها: الفنانون الجدد صيادو معان تنطق بلغة حضارة غائبةغ1ف لا يحرص الفنان البريطاني داميان هيرست (ولد عام 1965) علي أن يكون نحاتا دائما، بالرغم من أن منحوتاته تحظي برعاية ثقافية مميزة، وبالمقابل فان رسومه لا تقدمه رساما، ذلك لانه غالبا ما يصنع لوحاته بمواد يجلبها من خارج الرسم. اهتمامه المبهم بعالم الطب جعله ينشيء صيدليات كاملة ليعرضها بصفتها اعمالا فنية. يوم رأيت واحدة منها في باريس لم تستوقفني علي الاطلاق، لذلك لا يمكنني أن أتذكرها إلا من خلال الصور. داميان هذا لا أسلوب له (وهل هناك شيء أسمه الاسلوب في الفن الجديد؟). شيء هو أشبه بالمعجزة الشخصية تم القضاء عليه، بقوة الالهام الثقافي. هناك قدر أعظم هو ما يجب أن يواجهه الفن: قدره في أن يكون موجودا في هذه اللحظة بالذات. وهي لحظة تمتزج بالجمال عوالم كثيرة، لن يكون بالضرورة لغتها: السياسة والاقتصاد والبيئة والامراض والمشكلات الاجتماعية والدين والاخلاق والحروب. وسط كل هذا الضجيج لا يبدو أن هنالك متسع لفن يؤسس لحيز جمالي مستقل. لم يعد في امكان الشكل أن يكون ذريعة لقول شيء ما، بل أن القول في حد ذاته لم يعد ليثير أي اهتمام في مقابل ما يمكن أن تفصح عنه الأشياء. وهي فكرة تحرر هيرست من ضرورة أن يكون موجودا لحظة النظر، تحرره من بداهة أن يكون شاهدا منفعلا. في واحدة من أشهر صوره يمد لسانه الي العالم في لحظة غضب جحيمي، في حين يظهر في صورة أخري أعمي. انه يجد شأنه في كل الأحوال. أعماله التي هي مزيج من النحت والتصوير والانشاءات والرسم والتقاط الاشياء الجاهزة لا تلتفت الي العالم المباشر إلا بصفته الموقع الذي يستضيف الكارثة. هيرست هو ابن هذا العالم الذي لم يعد يقوي علي قول شيء، المه يتقدمه ويقدمه.غ2ف غرير لانكتون (1958 ـ 1996) فنانة امريكية، ولدت ذكرا ثم تحولت بعد العشرين من عمرها الي انثي بعد اجراء عملية جراحية. وهي نحاتة دمي وفنانة انشاءات. أسلوبها الانتهاكي في الفن كثير الشبه بحياتها المرتجلة، (هل كانت تلك الحياة المعذبة تستحق أن تعاش؟). بطريقة أو بأخري كان لديها ما تقوله عن محنتها في الخلق. وهي محنة تمزج الطفولي المستحضر متأخرا بالنسوي الغامض والحاضر علي هيأة احتفائية متمردة ومتلفتة. لا تذكر غرير في تاريخ الفن مقرونة بأعمالها العبثية بقدر ما يذكرها ذلك التاريخ بصفتها مادة لالهام المصورة الامريكية نان غولدن. لقد صورتها غولدن في أوضاع مختلفة. وكعادتها فان غولدن لم تظهر غرير اسطورة وحدثا رائعا لا يتكرر، بل ظهرت غرير بصفتها واقعة يومية يمكن عبورها ونسيانها. هذا عن صور غولدن، ولكن ماذا عن أعمال لانكتون نفسها؟ كل عمل من تلك الاعمال كان بمثابة احتفاء بجمال مضاد، جمال لا يفخر بتفوقه علي القبح، بل هو والقبح شيء واحد. وهنا تطرح الفنانة غايتها التي هي جزء مهم من فكر ما بعد الحداثة: نهاية الثنائيات أو تداخلها حسب نيتشه. ليس هناك جمال مطلق وليس هناك قبح مطلق. خبرة الفنانة في العيش المزدوج هي ميزانها في النظر الي حياة، هي والمحنة صنوان. ولكن، ليست هناك دمية من تلك الدمي التي اخترعتها مخيلة غرير يمكن اعتبارها دمية جميلة بقياس الفتيات في كل العصور. كانت غرير متشبثة باختلافها الصريح. فهي ليست كالفتيات اللواتي انتمت اليهن متأخرة وليست كالفتيان الذين كانت تنتمتي الي صنفهم عشرين سنة. كانت وبقيت أخري. مرآة لما تكن عليه دائما. غ3فلا تخفي ماجدة نصر الدين (لبنانية مقيمة في الامارات) الأشياء، بقدر ما تستنجد بغموض تلك الاشياء لكي تخفيها عن العين المباشرة. فحين لا نري شيئا يكون في امكاننا أن نري كل شيء. حين رايت لوحاتها تذكرت الفرنسي مارك آش، غير أنني فيما بعد شعرت بان ما تفعله نصر الدين هو النقيض تماما لما نراه في لوحات آش. فماجدة تخفي العالم المرئي كله ولا تتودد الي رموز بعينها من ذلك العالم كما يفعل آش. ولان السطح التصويري ليس ضالتها فهي تعمد الي اظهار اشكال عبثية، هي جزء من سطوح منسية، ربما تكون تلك الأشكال صورة عن لاوعي الرسم. يشعر المرء ازاء رسومها كما لو أنه يتعرض للهدم، هناك الة تحذف من ذاكرته كل ما يرغب في أن يكون موجودا. صلة هذه الفنانة بالاشياء تنبئ بطريقة أخري للبناء. وهي طريقة لا تخفي امعانها في الانثوية الكامنة، حيث يتم أسر الممكنات في حلم مفارق. لا تري ماجدة نصر الدين في الرسم إلا نوعا من تجسيد ذلك التفوق الانثوي في التعرف علي الغموض، بصفته تعريفا لنوع من الرؤيا المختلفة. وهي رؤيا لا تخترعها الرسامة بقدر ما تسعي الي أن تقودنا الي الدروب التي تؤدي اليها. تنتهي نصر الدين بنا الي عالم لا يزال يتشكل بحيوية.غ4فتبدو منضدة الاسترالية اليزابيث داي العامرة بالأشياء اليومية كما لو أنها جزء من سوق لبيع الاشياء المستعملة. يمكنك أن تحمل منها ما تشاء وفي المقابل يمكنك أيضا أن تترك عليها ما تشاء. لقد وضعت الاشياء علي تلك المنضدة بطريقة متانقة ورتيبة، غير أن اختيارها يفصح عن عشوائية المقصودة. لم تفعل الفنانة شيئا سوي التقاط تلك الأشياء ووضعها علي منضدة. من يؤكد ان ما قدمته داي هو عمل فني؟ لا شيء سوي وجوده في قاعة للعروض الفنية. ولكن اعتراف تلك القاعة كفيل باقناعنا؟ اعتقد ان توسيع حدود المزحة التي اطلقها الفرنسي دوشان بلجوئه الي عرض اشياء جاهزة كالمبولة وحاملة القناني هو في حقيقته محاولة لتعرية الفن من فكرة الجمال الغامضة، وهي فكرة مجلوبة من خارج الفن . غير أن الفنانة في مكان آخر تعرض عملا يكمن الهامه في أعمال كارل اندريا. لا لانها مثل اندريا اختارت أن تعرض ذلك العمل علي الارض، بل لانها لجأت الي الروح التقليلية عينها التي تتسم بها اشكال اندريا. فرشت داي علي ارض القاعة سجادة من العشب، هي عبارة عن مجموعة متلاصقة من المربعات التي لونتها الفنانة لتوحي بتلاصق فصول السنة لتهبنا فكرة عن الوقت، لا تخفي رمزيتها. لقد انتجت داي عملا تقليلا، غير أنه يضج بتعبيريته المكثفة. وما بين منضدتها وحديقتها هناك مسافة ليس من اليسير قطعها. هي المسافة ذاتها بين فن يطردنا وآخر يغؤينا بالاقبال عليه. في المسافة تلك تكمن واحدة من أكثر مشكلات الفن الجديد احتقانا وحيرة. غ5فبالنسبة للفنانين الجدد فان كل شيء هو واقعة ميتافيزيقية. هناك محاولة لاستطاق نوعا من العمي حيث الاشياء موجودة لا لتعين علي التذكر بل لتيسر النسيان. سطوح ماجدة نصر الدين هي طبقات من الاصباغ، تضعها الفنانة لتواجهنا بمفهوم التراكم. والفنانة في سلوكها هذا انما تتابع مسيرة ذلك الاسلوب الغامض الذي اتبعه كثير من الرسامين منذ الفرنسي فوترييه الي العراقي شاكر حسن ال سعيد في ازاحة مفهوم السطح عن سياقه البصري. هل صارت اللذة البصرية تعني بتخطي مشكلات النظر المباشر والوصول الي الشيء عن طريق التمعن في معانيه من غير الاهتمام بتأثيراته الحسية، حتي وأن كان موجودا بطريقة مباشرة؟ الشيء هو فكرته، ولكن ماذا عن فكرتنا عنه؟ لا بأس لندع الأشياء تفكر بدلا من أن نفكر بها . شاعر وناقد من العراق يقيم في السويد0