لندنستان رواية عن فتوات هاونسلو في غرب لندن احتفاء باللغة الهجين علي حساب الشخصيات

حجم الخط
0

لندنستان رواية عن فتوات هاونسلو في غرب لندن احتفاء باللغة الهجين علي حساب الشخصيات

ابراهيم درويش لندنستان رواية عن فتوات هاونسلو في غرب لندن احتفاء باللغة الهجين علي حساب الشخصيات لندنستان مصطلح دخل اللغة الاعلامية البريطانية لوصف الاسلاميين العرب الذين لجأوا الي بريطانيا، خاصة في الثمانينات من القرن الماضي. ولا غرو ان كاتبة صحافية اصدرت قبل يومين كتابا يحمل عنوان لندنستان: كيف تقوم بريطانيا بصناعة دولة ارهابية من داخلها ، حيث تتخذ الكاتبة ميلاني فيليبس من حادثة رواية سلمان رشدي الآيات الشيطانية للحديث عن ما تسميه الحديث عن جماعات ترغب بنشر خطاب ارهابي وعنيف. الكاتبة معروفة بمواقفها اليمينية المتعصبة وفحص روايتها ان احتاجت لفحص يجب ان يتم عبر هذا المجهر، ومجهر الحاجة الماسة الي كتابات من هذا النوع تخدم بالضرورة اجندة الصحافة اليمينية داخل السياق البريطاني. وما ارغب تقديمه في هذا السياق ليس كتاب فيليبس بل رواية البريطاني ـ الهندي غوتام مالكاني لندستاني عن ثقافة الجيل الجديد من ابناء المهاجرين الهنود الذي يعودون لهويتهم الاثنية لتأكيد رجولتهم وفتوتهم. وهذا الجيل ليس معنيا بالعلاقات العرقية او بالاطر الثقافية التي تحكم حتي الحدود والحواجز المقامة بين ثقافة الغالبية البيضاء والاقليات الاخري، بقدر ما يشعر ان الخروج من ازمة التهميش والتجاهل تكمن بالتمسك بالهوية الاثنية في الشارع لتأكيد الذات والنجاة في واقع يبدو معادياً. وقد حظيت الرواية التي صدرت قبل شهرين بتعليقات متفاوتة، بين من مدح قدرة الكاتب علي استعادة لغة الشارع والرطانة التي يتحدث بها صبيان الاحياء، وبين من تساءل عن قيمة الرواية التي قال انها تفتقد العمق، وتعيش شخصياتها حالة من السكون ترفض التطور، او حتي التقدم نحو اعادة تشكيل الذات، فليس هنا وفي سرد الكاتب مجال للحديث عن تحول في مفاهيم الشبان، وعلاقاتهم بالمجتمع الواسع الذي يعيشون فيه.وكنا قد اشرنا في مقاربة سابقة عن اشكالية الاصالة في الكتابات الاثنية . فغوتام مالكاني وان ولد في حي هاونسلو غرب لندن الذي تعيش فيه جالية هندية كبيرة الا ان علاقته بثقافة ابناء الشوارع وشبان الاحياء فقيرة، ويعترف الكاتب ذاته انه لم يكن في يوم من الايام ولدا وقحا/ شقيا مثل ابطال روايته. كما انه خريج جامعة كامبريدج وعمل في صحيفة المال والاعمال البريطانية المعروفة الفايننشال تايمز . ويقول انه قضي ثلاثة اعوام في كتابة هذا العمل، حيث قام بمقابلة العديد من شبان الاحياء، الذين يحتفون اكثر باخر صرعات الموضة في مجال التكنولوجيا الرقمية، ويمارسون سلطتهم علي صبيان الحي الذين يرون فيهم نزوعا نحو تقليد ثقافة جماعة الغالبية او يطلق عليهم افراد عصابة لندستاني صبيان جوز الهند في اشارة الي لون قشرة الثمرة البنية وقلبها الابيض. فابناء الجاليات من الهنود الملونين ينزعون في عاداتهم وممارساتهم الي تقليد البيض، مما يعني التخلي عن الثقافة الاصيلة. وكما يظهر من تحليل مناحي رواية مالكاني، فهؤلاء الابناء ليسوا معنيين عندما يقلدون مناحي ثقافية او يبحثون عن رؤية اندماجية بقدر ما يندفعون نحو الثقافة الاستهلاكية التي تحيط بهم من كل جانب وتدفعهم للانجرار كل يوم وراءها، غير ملتفتين لدروسهم. ومن هنا فابطال العمل كلهم من الفاشلين في الدراسة الذين يبحثون عن طرق واساليب لترويع الشبان، خاصة الذين يتجرأون علي سب الاسيويين بوصفهم باكي ، وهي الكلمة التي تحمل مظاهر ودلالات سلبية عن الهندي او الاسيوي القادم من شبه القارة الهندية. والرواية تدور في هذا الاطار، وتحمل هموم هذا الجيل الباحث عن تأكيد الذات الا انها لا تمس العمق، ولا تغوص في دواخل الشخصيات. ومالكاني يري ان الاشكالية الرئيسية التي يعاني منها ابطال عمله ليس شعورهم بالتهميش لاصولهم الاثنية، ولكن مشكلتهم تكمن في غياب الرجولة، اذا اخذنا بعين الاعتبار الدور الذي تلعبه المرأة في البيت، ومن هنا تبدو الهوية الاثنية معادلا للرجولة، او الفتوة. وهذا الاطار مفهوم اذا اخذنا بعين الاعتبار حال الفتيان والاحداث الذين يعيشون تقلبات كثيرة تنشأ من خلال الثقافة الشعبية. فمن خلال بحث الابطال عن فتوتهم ورجولتهم يقومون باختراع ثقافة هامشية، تأخذ اولا من افلام بوليوود، وتعيد انتاج اغاني العنف، خاصة اغاني الراب التي اشتهرت بفعل الثقافة الافرو كاريبية، وقبلها بين الافرو امريكيين، وتأخذ بشكل كبير من ثقافة العصر الرقمي، فابطال العمل وان كانوا في المظهر من طائفة السيخ، ويحملون في داخلهم الكثير من تناقضات الجالية، الباحثة عن مكان في الشمس في مجتمع يفترض انه متعدد الثقافات والاعراق الا انهم في النهاية ابناء اي بود ، و عصر الديجيتال ، ونتاج الانترنت وثقافة عصر المعلومات. وما يثير في هذه الرواية هي انها تتساءل في بعد باطني منها عن السبب الذي يدعو او يؤدي لانتشار ثقافة العصابات بين الشبان الاسيويين المعروفة عائلاتهم بانجازاتها وتماسكها وحرصها علي احترام القانون والنظام والمشاركة في العمل العام، فهذا الجيل هو نتاج ابناء الاقليات الذين كافحوا من خلال دكاكين الزاوية لتعليم ابنائهم الذين رفضوا بعد ذلك سلك المسار الذي ساره الاباء او الاجداد قبلهم، والسؤال في هذا السياق مشروع، اذ اننا اليوم امام حالة من انتشار عصابات الشبان ليس بين فئة محددة من المجتمع بل داخل مجتمعات الاسيويين بل بين الشبان المسلمين، خاصة الصوماليين. وما انتشار ثقافة السكاكين في المدارس الا صورة هذه المشكلة.اعترف في البداية انني وجدت صعوبة في قراءة هذا العمل، والصعوبة تكمن في الخيار اللغوي الذي اختاره، فقد قرر، مالكاني تسجيل الحوار بلغة الشارع الذي جاء هجينا بين البنجابية والانكليزية الرديئة، والكاتب هنا يكتب لغة اصبحت معروفة باختصاراتها الشديدة، خاصة تلك التي تظهرفي الرسائل الهاتفية، فالكلمة احيانا تختصر الي حرف واحد.. وامام هذا الاختيار اللغوي يجد القاريء نفسه امام حالتين، الاولي التخلي عن مشروع القراءة، او مواصلتها علي امل العثور علي شيء جديد. واخترت المواصلة، واعترف انني تجاوزت الكثير من الصفحات التي احتفت بالحوارات الشوارعية ولم تتحدث عن تطور في الاحداث. فالحديث عن اتفاق بين المجموعة/ العصابة وبين سانجاي، الرجل الناجح الذي عمل في بنك وسط البلد/ لندن، حول تنظيم عمليات سرقة الجماعة رغم انها خارجة عن القانون اخذ تقريبا فصلين من العمل.علي العموم، الرواية تدور كما اسلفنا في غرب لندن، في حي هاونسلو، وتتحدث عن عصابة من اربعة، هاردجيت، الشاب العنيف العدواني، الذي يرسم وشما علي يديه خاندا المأخوذ من التعاليم السيخية، حيث تبدأ الرواية بحادث مواجهته لشاب ابيض غورا تجرأ علي التهكم وسب الاسيويين الباكي ، وعندما يدمي فمه، يطلب منه افراد العصابة عدم تكرار فعلته ويشترطون ان يحلف بحياة امه، عندها يرد: ولكنك تعرف ان امي ماتت، وحضرت جنازتها. مع هاردجيت، رافي واميت اللذين يتبعان رئيس العصابة كظله وشخصيتهما باهتة، اما الرابع فهو السارد جاس الذي يحلم بان يكون شابا وقحا او شقيا.جاس، الراوي يتخلي عن صداقاته وتعليمه وعائلته من اجل تحقيق حلم الرجولة والفتوة. المشكلة ان جاس، الشاب الحالم بدخول عالم الرجال والفتوات الذي يمثله هاردجيت، بهويته الجديدة ظل شخصية ثابتة لم تشر لصراع او نوع من التوتر الذي ينتج عادة اثناء عمليات تحول من هذا النوع، اي بين شخصيته القديمة والجديدة، باستثناء بعض الاشارات البسيطة عن الرهاب والخوف من الاخر وكراهية المرأة. لم يتغير مسار الرواية حتي بعد ان يقدم لنا مالكاني سانجيف الذي تخرج من مدرسة جاس في هاونسلو، وقدرة سانجيف تتبدي في مهاراته التجارية وهنا يقدم لنا مالكاني اطارا عن التداخل بين فكرة الفتوة والاستهلاك. شخصيات الرواية تبتعد او تمارس لعبة الاحتيال للدخول في عمق الاشياء فهناك تسطيح في التشخيص اثر علي عمق السرد، ومالكاني الذي يبخل في المعلومات يعمل علي تحويل السرد وتوتره في نهاية عمله ولكن هذه الاستراتيجية جاءت متأخرة.جاس، شاب غريب الاطوار، فهو وان طمح لان يدخل عالم الشقاوة والعنف، الا انه يحاول ان يقترب من فتاة مسلمة ولكنه غير قادر علي الاقتراب منها، وهنا علاقة العصابة مع سانجيف، وان لم تكن تمثل شيئا كبيرا لافراد العصابة الثلاثة، الا انها بالنسبة لجاس، تعتبر امتحانا والتزاما، فسانجيف يعرف حالة جاس، ولهذا يقترح عليه تعليمه اساليب الغواية والاغواء.اهمية الروايات الاثنية التي كثرت في الاونة الاخيرة تكمن في انها تحمل في طياتها الكثير من سير وملامح كتابها، ولهذا يمكن ان نفهم ان جاس هو معادل للكاتب مالكاني، والرواية علي خيارها اللغوي واستراتيجيات السرد فيها، تحمل الكثير من ملامح الحياة في الاحياء، عن احتفالات ديوالي للهنود، الذي اصبح في الاعوام الاخيرة يترافق احيانا مع اعياد المسلمين، بسبب الاعتماد علي الحساب القمري، علي خلاف اعياد المسيحيين الثابتة، وبسبب ثقافة الاستهلاك صار عيد الميلاد يقترب اكثر فاكثر، اي يبدأ مبكرا، فالناس يقبلون علي الشراء وتخزين الهدايا في الخريف اي قبل موعد العيد في الشتاء. اعود مرة اخري الي الخيار اللغوي، والذي اثر علي مسار احداث لها علاقة بالواقع الاثني، مثل الزواج المرتب، التوتر العرقي بين الاقليات، الاشكاليات الدينية. كما ان الخيار اثر علي شخصيات الرواية التي بدت مثل تلك الخارجة من افلام الكرتون. لندنستاني هي بالضرورة عن الثقافة الاستهلاكية وعن ما يشكل رؤية الجيل الجديد وعلي الرغم من المواقف المتحيزة والعبارات الصارخة والجارحة، فقد نجح مالكاني بتوثيق الملامح التي تشكل حياة هؤلاء الابطال، فثقافتهم تعتمد علي ما يشاهدونه وما يعايشونه من احداث، افلام ومسلسلات محلية هولبي ستي ، كورنيشين ستريت ، ايست اندرز .. او افلام هوليوود الحاسة السادسة ، و شندلر ليست التي لا اعرف علاقتها بالاقتصاد، ولكن مدرس الاقتصاد يستخدمه لتقديم صورة عن الاقتصاد في عهد النازيين.. اضافة لابطال بوليوود، اميت باتشان. مالكاني قيل انه حصل علي مبلغ كبير من دار النشر لهذا العمل الذي يعتبر اول عمل روائي له مقداره 350 الف جنيه. ويقول انه طمح لكتابة رواية عن لغة جيل لا يقرأ الكتب.. مالكاني، يقول ايضا انه اراد ان يقوم بنفس ما قام به الكاتب الامريكي اس اي هينتون مؤلف كتاب الغريب . وتقديم لغة الشارع كانت واضحة في اعمال الايرلندي رودي دويل بادي كلارك ها ها . طبعا المبلغ الكبير له علاقة بهوس السوق في تقديم اصوات اثنية جديدة، فقبل مالكاني، كانت مونيكا علي بريكلين وزادي سميث اسنان بيضاء وهي روايات عن الاحياء والاقليات التي تعيش فيها، في قلب المدينة الكبيرة لندن وعلي هامشها في نفس الوقت.ناقد من اسرة القدس العربي LondonstaniGautam MalkaniFourth EstateLodon/20060

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية