لندن ورام الله

حجم الخط
0

إنشل بابرفي معجم الجيش الاسرائيلي الذي يتطور على الدوام بازاء كل تحدٍ امني جديد، أصبح فعل ‘يحتوي’ كلمة مفتاحية. هذا هو الطموح الاعلى لقادة الجيش وجهاز الامن في الاستعداد لايلول الفظيع، أعني احتواء الاحداث. لم يعودوا يسعون الى تماسٍ بل ولا الى نصر، فالنجاح سيعبر عن نفسه بقدرة الجيش والشرطة على منع الاحداث من الانتشار والتصعيد والاهتمام بأن تنتهي بأقل قدر من المصابين في الجانب الثاني ايضا.

في أحاديث ومقابلات صحافية مع ضباط شرطة كبار في لندن، وبين أيديها أحداث الاسبوع الماضي أرادوا احراز ‘احتواء’ بأي ثمن. وأرادوا سد طريق جماعات الشباب التي تسعى الى التدمير والسلب، وصدها بعيدا عن مراكز الشراء وشرايين النقل العام المركزية، واستنزافها حتى نقطة تفضل فيها العودة الى البيوت، والأساس أن يتم ذلك بلا مصابين.

سيوجد بيقين من تغضبهم المقارنة بين ايام الغضب في لندن وهي في جوهرها جنائية، وبين احداث ايلول المرتقبة بشتى آثارها الامنية والسياسية والاقليمية. لكن العناصر متشابهة جدا في مستوى العمليات الميدانية. فمع عدم وجود حدث سياسي واضح، لا تختلف فرقة يهودا والسامرة التابعة للجيش الاسرائيلي كثيرا عن مقر قيادة سكوتلاند يارد التي تتولى قيادة ضباط ‘مات’، وهي شرطة المدينة الكبرى. فكلاهما ينفذ اعمال شرطة بين سكان مدنيين مركبين.

العناصر المطلوبة ايضا لنجاح العمليات متشابهة وهي المعلومات الاستخبارية والتخطيط مسبقا. فالتعرف قبل الأوان لمراكز الاحتكاك المحتملة ونقل كثيف لقوات وامدادات، مزودة بالوسائل الملائمة لتفريق المظاهرات، تمنع اشتعالا لا حاجة اليه وتصعيدا. وقد فشل الجيش الاسرائيلي بذلك في 1987 حين نشوب الانتفاضة الاولى، وفي مفترق نتساريم مع بدء الانتفاضة الثانية، وفي السيطرة على ‘مرمرة’ وفي مجدل شمس في ذكرى النكبة الاخيرة، وفشلت شرطة بريطانيا بذلك في الاسبوع الماضي حينما لم تتوقع ان يفضي موت تاجر مخدرات خلال عملية اعتقال تعقدت الى احداث شغب جماعية ولم تهيىء القوات المطلوبة.

والنجاحات متشابهة ايضا كالاخفاقات. فالاستعداد قبل وقت لقيادة المركز في يوم النكبة منع احداثا شاذة كانت تستطيع ان تشعل شرارة الانتفاضة الثالثة، وهذا ما حديث ايضا في لندن في الاسبوع الماضي. فقد نقلت الشرطة في الوقت مئات رجال الشرطة المسلحين بالهراوات ومعدات وقائية الى تلك المراكز التي كانت لديها معلومات سابقة عنها تتعلق باحتشاد عصابات. ومنذ يوم الثلاثاء فما تلاه حينما أغرقت شوارع العاصمة بقواتها بفضل امدادات من سائر المملكة كما فعل الجيش الاسرائيلي بالضبط في يهودا والسامرة في يوم النكبة. وكما وقع آنذاك بالضبط، حينما حُفظ الهدوء في المركز جاءت المفاجأة من الشمال ولقيت الاحداث في مانشستر الشرطة هناك غير مستعدة.

والمعضلات متشابهة جدا ايضا. ان منظمة كبيرة يجب عليها الحفاظ على الامن الجاري في كل مكان وعلى أهلية القوة البشرية، لا تستطيع ان تحتفظ زمنا طويلا بآلاف الناس في جميع القطاعات المحتملة، على استعداد عال حتى لو افترضنا انه يمكن ان نتنبأ سلفا بالمكان الذي سينشأ فيه السوء. فماذا نفعل؟ هل نلغي التدريبات والعطل؟ هل نجند قوات الاحتياط؟ هل نتكل على قيادة محلية تعد بالحفاظ على الهدوء؟ وفي أي نقطة يمكن أن نقرر أن التوتر قد خفت وانه يمكن وقف الاستعداد؟.

وتوجد بطبيعة الامر معضلة الوسائل. وهنا تنتهي المقارنة بين لندن، الباردة حتى ايام آب، وايلول الساخن جدا في الشرق الاوسط. فقد استعمل البريطانيون الهراوات استعمالا محدودا جدا، وبقيت كلاب الهجوم التي تجولت معهم في الشوارع بمثابة تهديد فقط. ولم تستغل موافقة مبدئية على استعمال الرصاص المطاطي ومدافع الماء. وفي نهاية الامر آتى ضبط النفس أُكله. وقوة نيران الجيش الاسرائيلي والفلسطينيين في المقابل معروفة للجميع. ومقدار ضبط الطرفين لانفسهما هو المجهول الاكبر.

هآرتس 14/8/2011

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية