لن تتوقف الحرب في سوريا حتى تتنهي حرب الوكالة بين إيران والسعودية وسيحل السلام على مراحل

حجم الخط
6

لندن ـ ‘القدس العربي’ قال الصحافي باتريك كوكبيرن إن الثورة السورية سرقها الجهاديون، وفي الحلقة الرابعة من سلسلة يكتبها في صحيفة ‘اندبندنت’ عن صعود تنظيم القاعدة في منطقة الشام والعراق وأثره على المنطقة بشكل عام كتب إنه شارك بعد الهجوم الكيميائي على الغوطة الشرقية في آب/أغسطس الماضي في حوار تلفزيوني على شبكة أنباء أمريكية مع الناشطة السورية رزان زيتونة، التي أنشأت مركز توثيق الإنتهاكات في سوريا والتي تحدثت عبر ‘سكايب’ من مناطق المعارضة في بلدة دوما- شرق العاصمة دمشق، وقدمت كما يقول الكاتب وصفا مقنعا وعاطفيا لما حدث في الغوطة حيث قالت ‘لم أشاهد في حياتي أمواتا بهذا العدد الكبير’.
ووصفت كيف قام الناس بخلع أبواب البيوت ليعثروا فيها على أموات، وبكى الأطباء في المراكز الطبية القليلة المتوفرة في البلدة حيث حاولوا معالجة ضحايا الغاز السام بما تبقى لديهم من أدوية، وتم دفن 15-20 جثة في مقابر جماعية، ورفضت زيتونة تقبل فكرة أو إمكانية أن يكون المقاتلون هم وراء هجوم السارين السام قائلة ‘هل تعتقد أننا أناس مجانين نقتل أطفالنا’.
كانت زيتونة (36 عاما) مدافعة عن حقوق الإنسان ومطالبة بإطلاق سراح السجناء السياسيين وأدت مواقفها وتقاريرها ذات المصداقية إلى حصول المعارضة على دعم دولي، لكنها اختطفت مع زوجها وائل حمادة، في 8 كانون الأول/ديسبمر من مكتبها في دوما، ومعهما اختطف ناشطين في مجال الحقوق المدنية سميرة الخليل (محامية) وناظم الحمادي (شاعر)، ولم يسمع عنهما منذ اختطافهما. والجهة التي يشك بقيامها بالإختطاف هي ‘جيش الإسلام’المدعوم من السعودية مع ان الفصيل ينفي علاقته بالقضية. ونقل موقع ‘المونيتور’ عن زوج سميرة الخليل، ياسين الحاج صالح قوله إن رزان وسميرة كانتا جزءا من حركة علمانية واسعة وتصادمتا مع الإسلاميين الذين ينزعون نحو الديكتاتورية’.
ويضيف الكاتب إن اختطاف واختفاء زيتونة له أمثلة مشابهة في كل أنحاء سوريا حيث قام الجهاديون بقتل او سجن الناشطين المدنيين الذين تجرأوا وانتقدوا ممارسات هؤلاء القاسية في المناطق التي أقاموا فيها نفوذهم.
أكلت أبناءها سريعا

ويرى الكاتب أن الثورة السورية ليست استثناء عن الثورات في التاريخ عندما تأكل الثورة أبناءها، لكن ما يميز سوريا أنها التهمت ثوارها بسرعة فائقة. ويشير هنا إلى أن السلفيين ـ الجهاديين يهدفون إلى إقامة نظام إسلامي متشدد بدلا من تحديث سوريا وتحقيق التقدم لمجتمعها.
ويتساءل الكاتب هنا عن السبب الذي أدى إلى فشل ثورة قامت ضد الطغيان وطالبت بالديمقراطية وبناء مجتمع غير طائفي يحكمه القانون؟ ويجيب أن سوريا انزلقت نحو حرب أهلية طائفية كابوسية، يقوم فيها النظام بقصف المدن التي يسيطرعليها المقاتلون، فيما يستهدف الجهاديون والسلفيون القرى العلوية والمسيحيين.
وأصبح السوريون أمام خيار إما الديكتاتورية التي تتركز فيها السلطة بيد الرئيس ومجموعة من الأجهزة الأمنية الوحشية، وبين جماعات جهادية متطرفة تقوم بقتل الأطفال بسبب خطأ صغير يعد في نظرها كفرا.
ويعتقد الكاتب أن سوريا اليوم تشبه لبنان اثناء الحرب الأهلية (1975-1990). ويقول إنه زار حمص المدينة التي كانت تنبض بالحياة وبالتعددية وأصبحت اليوم مجموعة من الأحياء التي تسكنها الأشباح، حيث هجر السكان البيوت، وأصابت المقذوفات والقنابل الجدران وتركت علاماتها عليها، والجدران التي لا تزال واقفة مليئة بالثقوب بسبب القصف الشديد عليها من الرشاشات تماما كما لو أن سوس خشب ضخم كان يعمل فيها ويأكل إسمنتها. ويضيف أن سوريا أصبحت بلد نقاط التفتيش والحواجز، الحصار للتجويع والقصف وتركيع المقاتلين.
ويبدو أن هذه السياسة تنجح ولكن ببطء وستخلف وراءها أرضا خرابا. ويشير إلى مدينة حلب التي كانت أكبر المدن السورية من ناحية عدد السكان والعاصمة التجارية بلا منازع وأصبحت الآن شبه مهجورة.
ومع أن الحكومة تتقدم لكن قوات الحكومة لا تستطيع السيطرة من جديد على الشمال وشمال شرق البلاد إلا إذا أغلقت تركيا حدودها الطويلة مع سوريا التي يدخل ويخرج منها المقاتلون.
ويقول الكاتب إن نجاح الحكومة قد أدى إلى تشدد الجهاديين وصلابتهم بدرجة لم يعودوا مستعدين للإستسلام. ولا يقاتل الجيش السوري أو يتقدم إلا تحت وابل من القصف والبراميل المتفجرة التي تلقيها الطائرات لتأمين تقدمه، ومن يواجههم في العادة هم جبهة النصرة وأحرار الشام.

بلد منقسم دائما

ويعتقد الكاتب أن الإنقسام السياسي والحالة التي أصابت الثورة نابعة من المشاكل الإجتماعية والسياسية التي كانت سوريا تعاني منها قبل اثورة عام 2011 والتي استثمرتها القوى الأجنبية وزادت منها.
فمع بداية الإنتفاضة خرج السوريون في التظاهرات التي انتشرت في كل مكان بسبب الحل الأمني الذي استخدمه النظام. فقد تعاملت الحكومة مع التظاهرات باعتبارها خطرا أمنيا وأكدت أن التظاهرات لم تكن سلمية، والكاتب هنا يقول إن في الرواية الرسمية بعضا من الصحة لكن المعارضة نجحت في جر النظام لاستخدام الوسائل القمعية. ويرى الكاتب أن مشكلة الثورة السورية نابعة من عدم تماسك المجتمع السوري. ويشير هنا إلى تقرير منظمة الأزمات الدولية عام 2011 والذي جاء فيه ‘تزعم السلطات السورية أنها تحارب جماعات مدعومة من الخارج، وتتصدى لمؤامرة إسلامية مع أنها في معظم الوقت تشن حربا على مناطقها، فعندما جاء للسلطة، جسد الأسد ومن معه الريف المحروم والفلاحين، وعلى ما يبدو نسيت النخبة الحاكمة جذورها’.
ويشير الكاتب إلى المشاكل الإجتماعية والإقتصادية التي عانت منها سوريا، فقد دفع الجفاف ونقص المطر 4 ملايين سوري إلى الهجرة من قراهم والعيش في العشوائيات حول المدن في أوضاع من الفقر المدقع، وتأثرت الصناعة المحلية باستيراد السلع الرخيصة من تركيا والصين ولم يعد راتب الموظف يكفي لمواجهة الإحتياجات اليومية في ظل ارتفاع معدلات التضخم، وفوق هذا تغولت الأجهزة الأمنية على المواطنين وزاد فساد النخبة. صحيح كان هناك كما يقول تقرير الأزمات الدولية تيار إسلامي دافع للإنتفاضة لكنه لم يكن الدافع الرئيسي لخروج المتظاهرين وتحول الإحتجاجات إلى فعل عسكري.
ويشير إلى أن الإنتفاضة في صيف عام2011 تختلف عنها في صيف عام 2013 ففي العام الماضي أصابت الساحة حالة من الجمود، وسيطر عليها من جانب المعارضة مقاتلو الدولة الإسلامية في العراق والشام، جبهة النصرة والسلفيون الذين يلتقون في مجموعة من الأفكارحول ضرورة إقامة الدولة الإسلامية لكنهم يختلفون في الأساليب. ويقول كوكبيرن إن الجماعات المقاتلة توصف في الغرب من خلال ممارساتها البربرية لكن أفرادها عادة ما استقبلوا من السكان الذين كانوا يعانون من ممارسات الجماعات المقبولة من الغرب والتي تسرق وتنهب، وعدد هذه الجماعات 1200 فصيل.

الدول الداعمة

ويتحدث الكاتب عن علاقة الجماعات المعارضة بالدول الداعمة حيث أصبحت بنهاية عام 2013 في يد الممولين الخارجيين، مشيرا إلى اعترافات جمال صدام قائد كتيبة ‘أحفاد الرسول’ الذي قرر الإنضمام إلى داعش،حيث تحدث عن الدور الخليجي في دعم المقاتلين وكيف تغيرت الملفات من دولة لأخرى.
وأشار المسؤول هذا إلى حضور ممثلين من دول الخليج والأردن لاجتماعات المجلس العسكري الأعلى للثورة السورية، إضافة إلى ممثلين أمنيين من بريطانيا وفرنسا. وفي لقاء عقد في العاصمة التركية أنقرة وحضره الأمير سلمان بن سلطان، نائب وزير الدفاع السعودي، وشقيق الأمير بندر بن سلطان، مدير الأمن السعودي طلب من الحاضرين ممن لديهم خطط لمهاجمة مواقع النظام السوري للتقدم بمطالبهم من السلاح والذخيرة والمال.
ويختم الكاتب مقالته بالحديث عن التطورات الأخيرة والحرب التي شنتها جماعات مقاتلة ضد الجهاديين من داعش والتي بدأت في 3 كانون الثاني/يناير هذا العام، انتقاما من اغتيال داعش لمسؤول في كتائب أحرار الشام. وفي النهاية يرى أن هناك عودة للمقاتلين الأجانب لبلادهم وهو ما يثير قلقا في الدول مثل السعودية وتونس لأن هؤلاء سيعودون بخبرات ومعرفة في القتال. وقد ساعدت الحرب الأهلية بين الجهاديين وانشغالهم بقتل بعضهم البعض الجيش والحكومة على تقوية مواقعهما، وتعزيز رواية الدولة عن مكافحة الإرهاب، لكن ليس لدى الحكومة ما يمكنها من تحقيق النصر عليهم.
ويرى أن الحرب في سوريا لن تنتهي قبل أن تتوقف حرب الوكالة التي تديرها السعودية وإيران من جانب والولايات المتحدة وروسيا من جانب آخر. ويدعو لتعاون بين الروس والأمريكان، كما بدا ذلك في مرحلة معينة.
ولهذا يرى السوريون الموزعون على المنافي والمخيمات والمشردون في داخل وطنهم أن الحرب في بلدهم ليس بيدهم ولكن بيد اللاعبين الدوليين والإقليميين، ولن يتحقق السلام إلا على مراحل وبعد بدايات فاشلة كما في جنيف-2.

جمال معروف يدافع

وفي سياق متصل مع تحليل كوكبيرن، نفى قائد جبهة ثوار سوريا، جمال معروف الإتهامات التي ساقها بعض من أعدائه وزملائه في الفصائل الأخرى بالإثراء على حساب الثورة وأنه جمع سلسلة من السيارات الفارهة لاستخدامه الخاص، مؤكدا لصحيفة ‘دايلي تلغراف’ أنه لم يركب سيارة ‘بي أم دبليو في حياته’ وأنه يعيش وأولاده الـ13 وزوجاته الثلاث في بيت كان يملكه الشبيحة بعد حرق بيته في بداية الثورة وملاحقته من قبل النظام.
ويوصف جمال معروف الذي بدأ يحظى بدعم من الدول الغربية بالقيادي المعتدل. وخصص المعلق الأمريكي ديفيد إغناطيوس مقالا عنه في صحيفة ‘واشنطن بوست’ دعا الولايات المتحدة لتبنيه والتعامل معه، وأنه تحدث معه واكتشف أنه ‘معتدل حقيقي’ ويمكن الإعتماد عليه في تحقيق دولة سورية متعددة وديمقراطية وهو ما يطالب به الغرب.
وقال إغناطيوس في المقالة تلك إن معروف يمثل جيلا من القياديين الشباب في الثورة السورية مقارنة مع اللواء سليم إدريس الذي تلقى تعليمه في ألمانيا وعمل مدرسا في الأكاديمية العسكرية في حلب.
واستطاع معروف حسب تعبير إغناطيوس إقامة نوع من النظام المدني في المناطق التي يسيطر عليها في جبل الزاوية في محافظة إدلب، حيث كان في ذلك الحين يقود ‘كتيبة شهداء سوريا’. وبرز اسم معروف بطريقة سريعة قبل مؤتمر جنيف-2 حيث لقي دعما من الجناح السياسي، الإئتلاف الوطني السوري وزاره رئيسه أحمد الجربا في زيارة ذات طابع رمزي في إدلب.
ويعترف المسؤولون في جبهة ثوار سوريا التي شاركت في العمليات ضد تنظيم داعش في الشهرين الماضيين بطبيعة الإتهامات الموجهة إلى معروف وأنه ‘تم التعامل معها’.
وقال معروف إن الذين يتهمونه هم الذين ‘جاؤوا إلى الثورة متأخرين’، وأنهم القادة المعنيين بنشر أيديولوجيتهم الإسلامية التي تتناقض مع السياسة المعتدلة التي يتبناها نفسه.
ودافع عن اتهامه بالسرقة بالقول ‘ إن اتهمتنا بأننا لصوص فأنت تتهم جميع المقاتلين الذين بدأوا الثورة بالسرقة’، وأضاف أن هذا الكلام ‘تشويه للثورة.
وترى الصحيفة أن حملة علاقات عامة شنت في الغرب لدعم ترشيحه شارك فيها صحافيون وسياسيون وعدد من شركات العلاقات العامة التي بدأت بتلميع صورته ولها صلة مع الخارجية البريطانية.
وتعتقد الصحيفة أن تأكيد موقعه القيادي والدعم الغربي له كان مقابل دعمه لمحادثات جنيف-2 وهو ما سمح للغرب وداعمي مؤتمر جنيف-2 للقول إنهم عثروا على ‘الثورة’ التي يمكنهم دعمها حسب تعبير الصحيفة.
وأشارت أيضا للجدل الذي رافق اختيار معروف، فقد اتهم من جماعات ببيع النفط المهرب وبيعه لحسابه.
واتهمه مقاتلون نقلت عنهم ‘دايلي تلغراف’ بالتردد في الهجوم على قاعدة عسكرية تابعة للنظام في وادي الضيف حتى لا يتوقف الدعم السعودي.
ونقلت عن حسن عبود قائد ‘كتائب أحرار الشام’ وصفه لمعروف وفصيله ‘ليسوا إلا عصابة تسرق من الثورة’.
وقال مسؤول بارز في فصيل تابع لجبهة ثوار سوريا إن معروف ‘قاطع طريق، وربما قائد قطاع الطرق’.
واعترف معروف أنه تلقى 4 ملايين دولار من السعودية خلال السنوات الثلاث الماضية، كما وحصل على مساعدات من الولايات المتحدة والتي تم توزيعها من خلال المجلس العسكري للثوار. ويقول إن المعدات العسكرية التي لديه تتناقص رغم الوعود التي تلقاها قائلا ‘معظم الأسلحة التي نملكها هي تلك التي أخذناها من مخازن سلاح تابعة للنظام’، مؤكدا أن أسلحة لم تصل من دول الخليج رغم الحديث عن ‘حملة الربيع’ التي قيل إنها ستبدأ قريبا. ورغم كل هذه الآراء السلبية تقول الصحيفة إن معروف يمثل الأمل الأخير للغرب في سوريا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية