لهذا هاجروا!
خيري منصورلهذا هاجروا!النبيّ الاعزل والنبيّ المسلح، والشاعر الذي نبذته القبيلة فأشرقت شمس اليوم التالي من أجل ان تدله علي الطريق، والحالم الذي تأكسدت روحه من شحة الاكسجين في زنزانة الواقع، وأخيرا سارق النّار الذي قضمت النسور قلبه… هؤلاء هاجروا إما الي خارج او داخل ونجوا من الاستنقاع الذي يخثّر الزمن ويحول التاريخ الي حصان داجن يموء في السيرك وقد نسي الصهيل الي الأبد!النبّي الأعزل ادرك ان لا كرامة له في وطن وثني، والنبيّ المسلّح أحال المكان الذي هاجر اليه يوتوبيا قابلة للترجمة، بدءا من عشبها حتي نمورها وغزلانها، وكلّما أثيرت ثنائية الهجرة والاقامة، خطرت بالبال علي الفور تلك السلالة الآدمية التي تجاوزت شروطها الباهظة، لأن الحدود قيود والمكوث امتثال.من هؤلاء من ضاق جسده بأشواقه، فكانت رقصته المجنونة اشبه بنافورة لكنها من دم، ومنهم من أصغي في ذروة الضجيج الي نداء ردد الكون صداه، فاستجاب، وشد الرحال ورهانه نيتشوي بامتياز… وهو ان ما لا يقتله يحييه ويضاعف من مناعته في عزّ الوباء!لقد سخر الانثروبولوجست الحصيف ذات يوم من عبارة السكان الاصليين، وقال انهم الزواحف والديدان… والصراصير، فتلك الكائنات تموت حيث تولد، ومسقط الرأس بالنسبة اليها هو مسقط الذيل تماما، لهذا تحول كوكبنا الدائخ من فرط الدوران والدوار الي ما يشبه الأواني المستطرقة، وما كان هناك اصبح هنا، والعكس صحيح ايضا .واذا تأقلم المهاجر مع المهجر، فإنه يفقد صفته التي حملها علي رأسه كالقبعة، لأنه عندئذ يذوب ويندمج، ويفقد دهشته بفقدان المسافة التي كانت تفصله عن المهجر!وأحيانا أتساءل ما الذي كان سينتهي اليه الكواكبي المقتول لو مكث حتي الموت في حلب؟وهل كان تروتسكي سيكون هو ذاته لو لم تولد رؤاه في المنفي؟وأية اسئلة كانت ستدخل الي التاريخ لولا ذلك الصقر الاموي الذي استبقته عيناه الي ما وراء الافق؟ودرءا لالتباس محتمل عليّ ان اقول بأنني لا اعدّ هنا اطروحة للدفاع عن حق الانسان في الهجرة، فثمة من يهاجرون وعيونهم ملآي بالدموع حزنا علي ما فارقوا، كما أن هناك من تلمع دموع الفرح في عيونهم لأنهم بلغوا الشاطيء الاخر، ان الهجرة تعرّي الرّوح كما قال كامو وهو يلتقي بنفسه في غرفة بأحد فنادق براغ، حيث لا اللسان يسعف الغريب ولا الذاكرة تترجل لتتعرف علي تراب طالما تعفّرت بغباره!وثمة لحظة ينعدم فيها الوزن بالنسبة للمهاجر الذي لم يعد هناك تماما كما انه لم يصبح هنا تماما، هي لحظة ارجوحية وعليه ان ينتظر حتي تهدأ مراوحتها، لكن المهاجر لا يخلع ذاكرته كالحذاء علي تخوم المهجر، فهي حمولة شاقة لا سبيل الي التحرر منها الا بفقدانها، وعندئذ لن يشعر فاقد الذاكرة بحرية الانعتاق منها، لأن هذا الشعور يفترض بقاءها.. وتلك مفارقة مزمنة، واحيانا تتحول الي ما يشبه القدر!ہہہليست الهجرات كلها موعودة بالظّفر، وهي اما ان تكون شرطا لعودة تليق بالفتح او تتحول الي هزيمة صامتة، يجترها المهزوم لكن بلا شماتة من أحد… الا من ذاته اذا كان ضحية الندم.هناك من يهاجر لكي يعود فاتحا، وهناك من يهاجر كي لا يعود علي الاطلاق، لأنه قرر الولادة الثانية فهو الكائن الذي يعيد انتاج نفسه، وكأنه يحبل بها ويلدها بلا قابلة غير ما تيسّره له الرّوح من قوة الارادة والتقشف العاطفي وشظف الهجر،وثقافتنا العربية ـ الاسلامية ممهورة منذ لثغت الصحراء بالابجدية بهاجس الهجرة، فقد مارسها الاوائل من الاسلاف كنمط انتاج اقتصادي، وهم يبحثون عن الكلأ والماء، لهذا احتل الطلل مكانته الشعرية في الديوان وتحوّل بعر الآرام الي حب فلفل، وبقايا بيوت الشعر والأثافي الي وشم يستحلب الحنين .أعقبت الهجرات المتعاقبة لاسباب اقتصادية هجرات اخري رسولية، دافعها البحث عن مأمن، حتي لو كان لدي الغرباء عرقا ودينا ولونا، خصوصا في بيئة صحراوية بلغت الشظف والقسوة ما جعل ظلم ذوي القربي أشد مضاضة من ظلم ذوي البعدي!هكذا، صار تاريخ هذه الثقافة هجريا وليس ميلاديا، وكأن البداية كانت عند العتبة النائية لبيت الغرباء!واللحظة الطللية في الوجدان الجريح، ليست مجرد فاصل زماني او أثر في المكان المهجور، انها مستوطنة في عمق اللاوعي وأحيانا تحولت الي فوبيا صحراوية لمن قطعوا العمر مهاجرين بحيث تحولت الهجرة ذاتها الي اقامة معكوسة!وثقافة الهجرة، سواء مهرت التاريخ او دمغت الجغرافيا، تبقي هاجعة في الأعماق، و بانتظار ما يحرض علي المغامرة، ذلك لأن مثل هذه الثقافة تعلم الناس ان العدل هناك كمقابل للعسف الذي يحاصرهم هنا، لكنهم غالبا ما يخشون من بلوغ المكان الذي يحلمون ببلوغه لأن الطريق اليه أبهي منه، وهم يشبهون العذري الذي يصطنع العقبات كي يحول الحرمان الي مطلب روحي، وبذلك يطيل عمر الرغبة ويشحنها بشبق مضاف، لأنه يدرك ان الرغبة تموت في الاشباع وتتغذي من الحرمان،والفارق بين السّفر والهجرة يتجاوز المعني الشائع للمفردتين،بحيث تعني الهجرة عدم الاياب، بينما يوحي السفر بأنه عابر فالهجرة سفر، لكنه سفر متواصل حتي لو كان في المكان ذاته، لأن المهاجر الشغوف بالمسافة بينه وبين المكان كي لا يصاب بالاستنقاع الروحي يتذكر كل شروق شمس او غروبها انه في مكان آخر!ہہہقدمت قارة المهاجرين نموذجا استثنائيا لبشر يؤلفون عقدا اجتماعيا من طراز جديد لكن قارة المهاجرين لم تفرز بعد جان جاك روسو آخر، يصوغ هذا العقد بما يتناغم مع مجتمع يحكمه الاقتصاد… ويحوله الي برادة حديد تنجذب رغما عنها الي المجال المغناطيسي، وفي مثل هذا النموذج من قارة المهاجرين يحل القانون محلّ كل المنظومات الأخري، كالاعراف الموروثة مثلا، ولعلّ ما كتبه فرانسيس فوكوياما عن هذه المسألة وهو أهم باضعاف مما كتبه عن نهاية التاريخ يصلح مدخلا لاستقراء العالم الجديد، الذي شيّد بحجارة العالم القديم المهدّم!ولأن القانون هو مقايضة علي نحو ما.. بحيث يأتلف الناس حوله لحماية انفسهم من بعضهم ومن أنفسهم أيضا، فهو الوطن الآخر الذي يكتشفه المهاجر في أقصي مهجره.. لأنه لا يتحول الي عنزة جرباء او سوداء في القطيع، اما المهاجرون الي الداخل، والذين عبر عنهم والت ويتمان عندما قال انه يقطع العالم كله من الشرق الي الغرب ومن الشمال الي الجنوب وهو نائم علي سريره حيث ولد… فهم لا يحلمون بأية عودة، سواء عادوا فاتحين او منكسرين، لأن الاصقاع النائية التي يبلغونها تقدم لهم وحشة أليفة دونها الوطن ذاته .ومن يقضي نصف عمره في الكتابة عن الاغريق، او الرومان او الأمويين يصبح مواطنا وليس مهاجرا في أثينا وروما ودمشق، وقد لا يذكره باغترابه غير ما قرأه في صباه عن أهل الكهف وتبدل العملة والكلام!والعربي الذي تلقي موعظة بطلب العلم ولو في الصين، ادرك منذ بواكير كينونته الحضارية ان العلم وبالتالي المعرفة لا وطن لهما، اما فوائد السّفر الخمس فهي توشك ان تتحول الي فرائض لفرط الوعظ بها.وهذا بحد ذاته وليد ثقافة الهجرة التي تجلّت في النّصوص ومغامرة السّفر، والتطلع الحالم الي ما وراء الأفق لأن الشمس لم تغب في مكان آخر.ومثلما كانت الاندلس تجليا للهجرة الظافرة، كان المهجر مجال الشعر الحيوي الذي شهد من المتغيرات الايقاعية والجمالية والرؤيوية ما أهله لأن يكون فصلا خاصا في ديوان العرب، لكن مثال الأندلس يقدم الهجرة والرّحيل عبر تراجيديا ما تزال تحرض الخيال العربي علي استلهامها والتعبير عن دراميتها الفذّة، لأن ما بين الإقبال والادبار وما بين الصغر والصغير مسافة هي بالضبط المسافة بين الفعل والانفعال وبين الاخصاب والاخصاء، لأن دخول عبد الرحمن هو النقيض التاريخي ان لم يكن الوجودي لخروج ابو عبد الله الصّغير، الذي عيّرته امه الحوراء بدموعه وشبّهته بالنساء وهذا أقصي عقاب يمكن الحاقه بفارس مهزوم في ثقافة ذات ايديولوجية ذكورية تصل حدّ التوثين!ہہہان عالما بلا مهاجرين هو عالم آسن، تحول الألفة والتكرار فيه دون اجتراح اي أفق، ولو تخيلنا ان الهجرات قابلة للحذف من التاريخ فإن ما يتبقي هو المكوث الداجن، تماما كما هو حال الحيوان الذي يقضي الوقت في تأمل اظلافه، او التحديق الي اللاشيء من فرط الضجر وادمان الإقامة!وما كان يردده رامبو صعلوك المدينة الباحث عن برار تتسع لخطواته… يستحق الاستذكار في كل مناسبة عن الهجرة والاقامة، كان يقول: كم هي سعيدة المدن التي لن تراك مرة اخري، انها بالطبع حساسية مفرطة، تستبد بالبعض منا، فيفضلون الموت علي ان يكونوا سببا للضجر!لهذا هاجروا جميعا.. النبي الأعزل والنبي المسلح والشاعر الذي لبّي استغاثة عشبة تئن تحت عجلة او قدم والثوريّ الذي تأكسدت روحه لشحة الاكسجين في واقع اضيق من زنزانة، فطوبي للغرباء في كل مكان وأوان!!!QMK0