لهذه الأسباب لن تنحاز الولايات المتحدة لصالح مصر في الخلاف بشأن سد النهضة

رائد صالحة
حجم الخط
0

السياسة الأمريكية تجاه القارة تتحرك من وزارة الدفاع

واشنطن-“القدس العربي”: للحصول إلى إجابة واضحة بشأن الموقف الأمريكي من الخلاف المصري-الإثيوبي بشأن سد النهضة، يُفضل العديد من المحللين الأمريكيين فهم سياسة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من القارة الأفريقية، على الرغم من اعتقاد بعض الخبراء بأنه لا توجد في الواقع أي سياسة محددة في البيت الأبيض تجاه القارة.

والصين، هي الثابت الوحيد لسياسة ترامب تجاه أفريقيا، ولكنها قد تبدو قليلة الفاعلية بسبب “الانسحاب الأمريكي المستمر” من القارة منذ نهاية الحرب الباردة، حيث يمكن ملاحظة أن واشنطن في حالة من “الدبلوماسية الغائبة” في أفريقيا.

ومن الصعب أخذ إدارة ترامب على محمل الجد بالنظر إلى سجلها السيئ في أفريقيا حتى الآن، كما يمكن القول إن السياسة الأمريكية تجاه القارة تتحرك من وزارة الدفاع “البنتاغون” وليس من البيت الأبيض أو وزارة الخارجية.

ومن المغري الخروج باستنتاج سريع بأن إدارة ترامب لا تهتم بالقارة، في حين يرى تيار مختلف من الخبراء بأن هذا التفسير لا تدعمه الحقائق، وأنه يسبب القلق فقط وهو مضلل، وقالوا إنه ينبغي على المحللين النظر إلى أبعد من الأعمال السياسية مثل قيود السفر والخطابات النارية حول الصين، ليجدوا أن السياسة الأمريكية الأفريقية من حيث الجوهر لا تزال قوية.

وقد اختار وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو إثيوبيا لتكون مكاناً لتعهداته بتقديم دعم مالي للإصلاحات السياسية والاستثمارات الخاصة في الدول الأفريقية، بما في ذلك السنغال وأنغولا، وعلى الرغم من عشق ترامب لتفكيك أو إلغاء البرامج التي وضعها الرئيس السابق باراك أوباما، إلا أنه لم يلغ بالذات البرامج الانمائية الأفريقية. كما قام ترامب بتعيين العديد من المبعوثين الخاصين لمعالجة بعض القضايا في السودان ومنطقة الساحل والبحيرات، والأهم من ذلك، هو أن ترامب نفسه قام بعملية وساطة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة.

وقد التفتت واشنطن بشكل خاص إلى إثيوبيا، التي حافظت على بعض أعلى معدلات للنمو في العالم على مدى العقد الماضي، مع ازدهار اقتصادها، في تناقض صارخ مع جاراتها السودان والصومال، كما قام رئيس الوزراء بإصلاحات فتحت الفرصة أمام زيادة مشاركة الولايات المتحدة، ما أدى إلى الإعلان عن خطط لاستثمار 5 مليارات دولار لمواجهة التأثير الصيني.

وفي الواقع، يجري الحديث في الولايات المتحدة عن خطة مارشال لزيادة الإنتاج والتجارة والاستثمار في إثيوبيا ضمن خطوة لدفع البلاد لكي تكون مركزاً صناعياً بديلاً للصين، ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن واشنطن لا تريد في حال من الأحوال إحداث أي ضغط على البلاد في محادثاتها بشأن سد النهضة، على الرغم من أن مصر تمثل أهمية خاصة بالنسبة لواشنطن، خاصة فيما يتعلق في دورها بالكتلة المضادة للنفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد سعى إلى وساطة أمريكية، بعد أن وافق رئيس الوزراء الإثيوبي ابي أحمد على إشراك وسيط ثالث، وقام الدبلوماسيون من إثيوبيا ومصر والسودان بالتنقل بين واشنطن العاصمة والخرطوم والقاهرة وأديس أبابا، وفي شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وافقت إثيوبيا من حيث المبدأ على طلب مصري بأن تتم عملية سد السد على مراحل على مدى سبع سنوات، ولكن التفاصيل بقيت على خلاف، وفي النهاية، قررت إثيوبيا عدم حضور الجولة النهائية من المفاوضات، حيث كان من المفروض التوقيع على اتفاقية قانونية صارمة وملزمة.

وقد لعبت إثيوبيا بذكاء في التعامل مع قضية السد، حيث حاولت بكل جهد منع تدويل المشكلة، على أساس الاعتقاد بأن مشاركة القوى الإقليمية والعالمية سيحد من قدرة إثيوبيا على ملء وتشغيل السد، وعندما وجدت أن المفاوضات المباشرة مع مصر بقيادة الولايات المتحدة قد تؤدي إلى مسارات لا تعبر عن مصالحها، لم تحضر الاجتماعات، ولم تواجه واشنطن هذه الممانعة برد عدواني.
الولايات المتحدة لم تفعل سوى القليل لجمع الأطراف المتعارضة بشأن السد، ولم تنجح الدعوة المصرية الملحة لواشنطن بالضغط على إثيوبيا لحضور الاجتماعات عن أي نتيجة، ومن غير المتوقع أن تقوم واشنطن بجهود حقيقية لحل المشكلة، وقد أدركت القاهرة ذلك وتوجهت على الفور لمجلس الأمن، وعلى الرغم من محاولات السودان بالتدخل والوساطة في النزاع إلا أن التوقعات تشير إلى أن النزاع يحتدم.

التصرفات الإثيوبية بشأن السد تشير إلى أنها تتطلع لقيادة موقع إقليمي في القارة على حساب مصر، والسيطرة على القرن الأفريقي والنيل، وفي الواقع، صدرت تصريحات من رئيس الوزراء الإثيوبي الحاصل على جائزة نوبل بأن إثيوبيا تمثل المستقبل، فيما تمثل مصر الماضي.

واتفقت معظم الدراسات بشأن سد النهضة على أن النظام المصري لا يستطيع تحمل العواقب السياسية للانخفاض المحتمل لإمدادات المياه إذا لم يتم حل مشكلة السد، حيث من المحتمل أن تؤدي المشكلة إلى هجرة جماعية واضطرابات بسبب الغضب الشعبي، ووصل بعض الدراسات إلى حد توقع حصول حرب.

المنفذ المصري الوحيد للخروج من الأزمة هو أن يضغط الرئيس ترامب على إثيوبيا بشدة من أجل التوصل إلى حل دبلوماسي، وهي نتيجة يأمل العديد من السياسيين في تحقيقها، ولكنها تبدو بعيدة عن اهتمامات البيت الأبيض حتى الآن، على الرغم من التعهدات الأمريكية لمصر بأنها ستواصل الجهود للتوصل إلى اتفاق مع تصريحات لوزير الخزانة الأمريكية، ستيفن منوشين، بأن واشنطن أصيبت بخيبة الأمل بسبب تخلف إثيوبيا عن حضور الاجتماع النهائي، كما قال أمام لجنة في مجلس النواب إن الولايات المتحدة حاولت التقريب بين الأطراف.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية