لواء إسرائيلي: هكذا تبدو “صفقة ترامب”… خطة ما بعد الحداثة

حجم الخط
0

 بالمقارنة مع نشوى السلام العالمية التي ولد فيها اتفاق أوسلو، فإن “خطة القرن” لإنهاء النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني ولد إلى واقع عالمي مترنح. ففي الدول الأوروبية والولايات المتحدة، علق النظام الاجتماعي والسياسي في أزمة وعلامات استفهام تلقي بظلال من انعدام اليقين على الميل للمستقبل. وفي ظل غياب القدرة على تثبيت الاستقرار في مناطق نزاع دامية من أفغانستان وحتى أوكرانيا، وبغياب الأمل في إعادة بناء سوريا والعراق وليبيا.. ما الذي يمكنه أن يعد به إنهاء النزاع وتسويات السلام بالذات للبلاد الصغيرة بين النهر والبحر؟

يثير هذا السؤال شكوكاً ليس فقط بالنسبة للافتراضات التي في أساس خطة القرن، بل وبالنسبة للبنية الفكرية التي تتبين في جملة المناقشات حول الخطة. رغم الواقع العالمي المتغير والمليء بظواهر القرن الحادي والعشرين، فإن المنظومة الفكرية لوصف الواقع والحكم عليه لا تزال ثابتة بكل منطقها وتوقعاتها في مفاهيم القرن السابق. وتجد الفجوة تعبيرها قبل كل شيء في التوقع لحل متفق عليه، ونهائي ومستقر لسلام دائم. في نهاية القرن الماضي، في أجواء حول “نهاية التاريخ” التي رافقت انهيار الاتحاد السوفياتي، كان لا يزال ظاهراً مكان لتوقعات من هذا القبيل. ومع عودة روسيا إلى دور القوة العظمى الفاعلة، فحتى في الدول الأوروبية الهادئة، تحرر الناس من وهم نهاية التاريخ. والخوف من واقع الأمن المهتز والمستقبل غير المعروف يستحوذ اليوم حتى في أكثر الدول استقراراً. ومع ذلك يواصل أنبياء السلام الاعتقاد والترويج بأنه إذا ما فكرنا إيجابياً فإن الواقع أيضاً سيكون إيجابياً. وإذا لم يحصل هذا مع ذلك، فنحن لم نرغب فيه حقاً.

 يعبر الخطاب الإسرائيلي أيضاً في مناقشة الخطة عن أنماط تفكير جامدة بمفاهيم القرن السابق. هكذا، مثلاً، في مسألة الدولة الفلسطينية: يجد اليمين صعوبة في قبول الالتزام بالاعتراف بدولة فلسطينية، ويخطئ اليسار بأن الخطة “لا تعرض على الفلسطينيين دولة وفقاً لكل تعريف معقول”. غير أن ما حصل لظاهرة العائلة في القرن الحادي والعشرين يحصل أيضاً للدولة. من يقول لأم وحيدة الإعالة لأسرتها إنها لا تستجيب للتعريف المعقول للعائلة؟ هكذا أيضاً بالنسبة للدول كظاهرة مركبة أكثر بأضعاف من العائلة: في العصر الجديد هناك أكثر من سبيل معياري واحد للوجود كدولة. هذا لب الإخفاق: يفكرون بشكل حديث في واقع هو في المقاييس العملية المهمة أصبح ما بعد الحديث منذ زمن بعيد.

 كما أن النظر إلى الخطة كمخطط للعمل يجب أن يكون مفهوماً بالمفاهيم المناسبة لتعقيدات العصر الجديد. فبشرى الرئيس ترامب مهمة للغاية في ترسيم اتجاه جديد. وبصفته هذه، يجب أن يفسر كحقن للطاقة في منظومة متشكلة مع التوقع لاختراق جديد. في الخطاب المتجمد في مفاهيم القرن السابق، يتم التعاطي مع خطة من 180 صفحة وكأنها خطة عمل مفصلة لإدارة خط إنتاج. أما التشكل كظاهرة مركبة، في الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، فغير قابل للتحكم الكامل. الأمر معروف لكل رجل أعمال. اسألوا رامي ليفي إذا كانت له خطة تجارية مفصلة لأن يتطور من بسطة في محنيه يهودا إلى الشبكات التجارية التي يحوزها اليوم.

 مشوق أن نكتشف بأن دافيد بن غوريون، ومنذ منتصف القرن السابق، فكر وعمل بوعي دينامية التشكل فيما يتعلق الخلاف على مشروع التقسيم. وكمثال على ذلك، شرح قائلاً: “إن دولة يهودية في قسم من البلاد ليست نهاية بل بداية”. وإقامة الدولة “ستشكل رافعة عظيمة القوة في جهودنا التاريخية لإنقاذ البلاد بكاملها”.

 في أساس الاختلاف بين سلوك بتفكير حديث ميكانيكي ومغلق، وسلوك في تفكير مركب منفتح على التشكل، يكمن مفتاح التطبيق السليم والمجدي لخطة ترامب. فبينما لم يتخل التفكير الحديث عن الإيمان بأن لكل مشكلة حل، فإن التفكير المركب يعترف بالمشاكل التي ليست قابلة للحل في أساسها. يمكن السعي إلى حلول مؤقتة، شريطة ألا تكون مطالبة بالتنازل عن رؤيا خالدة. لا يجري المرء مفاوضات على الأحلام القومية والدينية، هذا صحيح للفلسطينيين بقدر لا يقل عنه للإسرائيليين.

بقلم: اللواء احتياط غيرشون هكوهن

نظرة من معهد بيغن السادات 13/2/2020

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية